محمد بن جرير الطبري
346
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بعد أن أهبط منها إبليس وأخرجه منها ، وأباح لهما أن يأكلا من ثمارها من أيّ مكان شاءا منها ، ونهاهما أن يقربا ثمر شجرة بعينها . * * * وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في ذلك ، وما نرى من القول فيه صوابًا ، في غير هذا الموضع ، فكرهنا إعادته . ( 1 ) * * * = ( فتكونا من الظالمين ) ، يقول : فتكونا ممن خالف أمر ربِّه ، وفعل ما ليس له فعله . * * * القول في تأويل قوله : { فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا } قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : ( فوسوس لهما ) ، فوسوس إليهما ، وتلك " الوسوسة " كانت قوله لهما : ( ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ) ، وإقسامه لهما على ذلك . * * * وقيل : " وسوس لهما " ، والمعنى ما ذكرت ، كما قيل : " غَرِضت إليه " ، بمعنى : اشتقْتُ إليه ، وإنما تعني : غَرضت من هؤلاء إليه . ( 2 ) فكذلك معنى ذلك .
--> ( 1 ) انظر ما سلف 1 : 512 - 524 . ( 2 ) في المطبوعة : ( ( كما قيل : عرضت له ، بمعنى : استبنت إليه ) ) ، غير ما في المخطوطة تغييرًا تامًا ، فأتانا بلغو مبتذل لا معنى له . وكان في المخطوطة : ( ( كما قيل : عرضت إليه بمعنى : اشتقت إليه ) ) ، هكذا ، وصواب قراءتها ما أثبت . وقوله : ( ( غرضت إليه ) ) بمعنى : اشتقت إليه ، ( ( إنما تعني : غرضت من هؤلاء إليه ) ) ، هذا كأنه نص قول الأخفش في تفسير قول ابن هرمة : مَنْ ذَا رَسُولٌ ناصِحٌ فَمُبَلِّغٌ . . . عَنِّي عُلَيَّةَ غَيْرَ قَوْلِ الكاذِبِ ? أَنِّي غَرِضْتُ إلَى تَنَاصُفِ وَجْهِهَا . . . غَرَضَ المُحِبِّ إلى الحَبِيبِ الغائِبِ قوله : ( ( تناصف وجهها ) ) ، أي محاسن وجهها التي ينصف بعضها بعضًا في الحسن . قال الأخفش : ( ( تفسيره : غرضت من هؤلاء إليه ، لأن العرب توصل بهذه الحروف كلها الفعل ) ) ويريد الأخفش أنهم يقولون : ( ( غرض غرضًا ) ) ، إذا ضجر وقلق ومل ، فلما أدخل مع الفعل ( ( إلى ) ) ، صار معناه : ضجر من هذا نزاعًا واشتياقًا إلى هذا . وموضع الاستشهاد أن ( ( الوسوسة ) ) الصوت الخفي من حديث النفس ، فنقل إبليس ما حاك في نفسه إليهما ، فلذلك أدخل على ( ( الوسوسة ) ) ( ( اللام ) ) و ( ( إلى ) ) . ولكن أبا جعفر أدمج الكلام ههنا إدماجًا .