محمد بن جرير الطبري

322

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

المتقدم وأيهما المتأخر . فلما وصفنا قلنا إنّ قوله : ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) ، لا يصح تأويله إلا على ما ذكرنا . فإن ظن ظانّ أن العربَ ، إذ كانت ربما نطقت ب - " ثم " في موضع " الواو " في ضرورة شعره ، كما قال بعضهم : سَأَلْتُ رَبِيعَةَ : مَنْ خَيْرُهَا . . . أَبًا ثُمَّ أُمًّا ? فَقَالَتْ : لِمَهْ ? ( 1 ) بمعنى : أبًا وأمًّا ، فإن ذلك جائز أن يكون نظيره = فإن ذلك بخلاف ما ظن . وذلك أن كتاب الله جل ثناؤه نزل بأفصح لغات العرب ، وغير جائز توجيه شيء منه إلى الشاذّ من لغاتها ، وله في الأفصح الأشهر معنى مفهومٌ ووجه معروف . * * * وقد وجَّه بعض من ضعفت معرفته بكلام العرب ذلك إلى أنه من المؤخر الذي معناه التقديم ، وزعم أن معنى ذلك : ولقد خلقناكم ، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، ثم صورناكم . وذلك غير جائز في كلام العرب ، لأنها لا تدخل " ثم " في الكلام وهي مرادٌ بها التقديم على ما قبلها من الخبر ، وإن كانوا قد يقدِّمونها في الكلام ، ( 2 ) إذا كان فيه دليل على أن معناها التأخير ، وذلك كقولهم : " قام ثم عبد الله عمرو " ، فأما إذا قيل : " قام عبد الله ثم قعد عمرو " ، فغير جائز أن يكون قعود عمرو كان إلا بعد قيام عبد الله ، إذا كان الخبر صدقًا ، فقول الله تبارك وتعالى : ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا ) ، نظير قول القائل : " قام عبد الله ثم قعد عمرو " ، في أنه غير جائز أن يكون أمرُ الله الملائكةَ بالسجود لآدم كان إلا بعد الخلق والتصوير ، لما وصفنا قبل . * * * وأما قوله للملائكة : ( اسجدوا لآدم ) ، فإنه يقول جل ثناؤه : فلما صوّرنا

--> ( 1 ) لم أعرف قائله . ( 2 ) في المخطوطة : ( ( وإن كان يعبر فنرنها في الكلام ) ) ، فلم استبن لقراءتها وجهًا أرضاه ، فتركت ما في المطبوعة على حاله ، لأنه مستقيم المعنى إن شاء الله .