محمد بن جرير الطبري
321
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فيما مضى من خطاب العرب الرجلَ بالأفعال تضيفها إليه ، والمعنيُّ في ذلك سلفه ، ( 1 ) وكما قال جل ثناؤه لمن بين أظهر المؤمنين من اليهود على عهد رسول الله : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ) ، [ سورة البقرة : 63 ] . وما أشبه ذلك من الخطاب الموجَّه إلى الحيّ الموجود ، والمراد به السلف المعدوم ، فكذلك ذلك في قوله : ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) ، معناه : ولقد خلقنا أباكم آدم ثم صوَّرناه . وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب ، لأن الذي يتلو ذلك قوله : ( ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) ، ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم ، قبل أن يصوِّر ذريته في بطون أمهاتهم ، بل قبل أن يخلُق أمهاتهم . و " ثم " في كلام العرب لا تأتي إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها ، ( 2 ) وذلك كقول القائل : " قمت ثم قعدت " ، لا يكون " القعود " إذ عطف به ب - " ثم " على قوله : " قمت " إلا بعد القيام ، ( 3 ) وكذلك ذلك في جميع الكلام . ولو كان العطف في ذلك بالواو ، جاز أن يكون الذي بعدها قد كان قبل الذي قبلها ، وذلك كقول القائل : " قمت وقعدت " ، فجائز أن يكون " القعود " في هذا الكلام قد كان قبل " القيام " ، لأن الواو تدخل في الكلام إذا كانت عطفًا ، لتوجب للذي بعدها من المعنى ما وجب للذي قبلها ، من غير دلالة منها بنفسها على أن ذلك كان في وقت واحد أو وقتين مختلفين ، أو إن كانا في وقتين ، أيهما
--> ( 1 ) انظر هذا من خطاب العرب فيما سلف 2 : 38 ، 39 ثم ص : 164 ، 165 ، ومواضع أخرى بعد ذلك في فهرس مباحث العربية والنحو وغيرها . ( 2 ) انظر القول في ( ( ثم ) ) فيما سلف ص : 233 . ( 3 ) كان في هذه الجملة في المخطوطة تكرار ، ووضع الناسخ في الهامش ( كذا ) ، والصواب ما في المطبوعة .