محمد بن جرير الطبري
308
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكما قال جل ثناؤه لأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) ، [ سورة البقرة : 143 ] . فكل ذلك من الله مسألة للرسل على وجه الاستشهاد لهم على من أرسلوا إليه من الأمم ، وللمرسَل إليهم على وجه التقرير والتوبيخ ، وكل ذلك بمعنى القصص والخبر . فأما الذي هو عن الله منفيٌّ من مسألته خلقه ، فالمسألة التي هي مسألة استرشاد واستثبات فيما لا يعلمه السائل عنها ويعلمه المسؤول ، ليعلم السائل علم ذلك من قِبَله ، فذلك غير جائز أن يوصف الله به ، لأنه العالم بالأشياء قبل كونها وفي حال كونها وبعد كونها ، وهي المسألة التي نفاها جل ثناؤه عن نفسه بقوله : ( فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ) ، [ سورة الرحمن : 39 ] ، وبقوله : ( وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) ، [ سورة القصص : 78 ] ، يعني : لا يسأل عن ذلك أحدًا منهم مستثبت ، ( 1 ) ليعلم علم ذلك من قبل مَنْ سأل منه ، لأنه العالم بذلك كله وبكل شيء غيره . * * * وقد ذكرنا ما روي في معنى ذلك من الخبر في غير هذا الموضع ، فكرهنا إعادته . ( 2 ) * * * وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقول في معنى قوله : ( فلنقصن عليهم بعلم ) ، أنه ينطق لهم كتاب عملهم عليهم بأعمالهم . هذا قولٌ غيرُ بعيد من الحق ، غير أن الصحيح من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه تَرْجُمان ، فيقول له : " أتذكر يوم فعلت كذا وفعلت كذا " ؟ حتى
--> ( 1 ) في المطبوعة والمخطوطة : ( لا يسأل عن ذلك أحدًا منهم علم مستثبت ) ) وهو غير مستقيم ، والصواب ما أثبت . ( 2 ) انظر ما سلف 3 : 145 - 154 .