محمد بن جرير الطبري
298
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
الناس ، ما جاءكم من عند ربكم بالبينات والهدى ، واعملوا بما أمركم به ربكم ، ولا تتبعوا شيئًا من دونه = يعني : شيئًا غير ما أنزل إليكم ربكم . يقول : لا تتبعوا أمر أوليائكم الذين يأمرونكم بالشرك بالله وعبادة الأوثان ، فإنهم يضلونكم ولا يهدونكم . * * * فإن قال قائل : وكيف قلت : " معنى الكلام : قل اتبعوا " ، وليس في الكلام موجودًا ذكرُ القول ؟ قيل : إنه وإن لم يكن مذكورًا صريحًا ، فإن في الكلام دلالة عليه ، وذلك قوله : ( فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به ) ، ففي قوله : " لتنذر به " ، الأمر بالإنذار ، وفي الأمر بالإنذار ، الأمرُ بالقول ، لأن الإنذار قول . فكأن معنى الكلام : أنذر القومَ وقل لهم : اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم . ولو قيل معناه : لتنذر به وتذكر به المؤمنين فتقول لهم : اتبعوا ما أنزل إليكم = كان غير مدفوع . * * * وقد كان بعض أهل العربية يقول : قوله : ( اتبعوا ) ، خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم ، ومعناه : كتاب أنزل إليك ، فلا يكن في صدرك حرج منه ، اتبع ما أنزل إليك من ربك = ويرى أن ذلك نظير قول الله : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) [ سورة الطلاق : 1 ] ، إذ ابتدأ خطابَ النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم جعل الفعل للجميع ، إذ كان أمر الله نبيه بأمرٍ ، أمرًا منه لجميع أمته ، كما يقال للرجل يُفْرَد بالخطاب والمراد به هو وجماعة أتباعه أو عشيرته وقبيلته : " أما تتقون الله ، أما تستحيون من الله ! " ، ونحو ذلك من الكلام . ( 1 ) وذلك وإن كان وجهًا غير مدفوع ، فالقولُ الذي اخترناه أولى بمعنى الكلام ،
--> ( 1 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 371 ، فهذه مقالته .