محمد بن جرير الطبري
233
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وإنما قلنا : ذلك مرادٌ في الكلام ، لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم لا شك أنه بُعث بعد موسى بدهر طويل ، وأنه إنما أمر بتلاوة هذه الآيات على مَنْ أمر بتلاوتها عليه بعد مبعثه . ومعلوم أن موسى أوتي الكتاب من قبل أمر الله محمدًا بتلاوة هذه الآيات على مَنْ أمر بتلاوتها عليه . و " ثم " في كلام العرب حرف يدلّ على أن ما بعده من الكلام والخبر ، بعد الذي قبلها . * * * ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله : ( تمامًا على الذي أحسن ) ، فقال بعضهم : معناه : تمامًا على المحسنين . * ذكر من قال ذلك : 14171 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( تمامًا على الذي أحسن ) ، قال : على المؤمنين . 14172 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( تمامًا على الذي أحسن ) ، المؤمنين والمحسنين . * * * = وكأنّ مجاهدًا وجّه تأويل الكلام ومعناه إلى أن الله جل ثناؤه أخبر عن موسى أنه آتاه الكتاب فضيلة على ما آتى المحسنين من عباده . * * * فإن قال قائل : فكيف جاز أن يقال : ( على الذي أحسن ) ، فيوحِّد " الذي " ، والتأويل على الذين أحسنوا ؟ قيل : إن العرب تفعل ذلك خاصة في " الذي " وفي " الألف واللام " ، إذا أرادت به الكل والجميع ، كما قال جل ثناؤه : ( وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ) ، [ سورة العصر : 1 ، 2 ] ، وكما قالوا : " كثر الدِّرهم فيه في أيدي الناس " . ( 1 )
--> ( 1 ) في المطبوعة : ( ( أكثر الذي هم في أيدي الناس ) ) ، وهو كلام غث لا معنى له ، زاد ( ( فيه ) ) على ما كان في المخطوطة . وكان فيها : ( ( أكثر الدرهم في أيدي الناس ) ) ، وصواب قراءتها ما أثبت ، أو : ( ( ما أكثر الدرهم في أيدي الناس ) ) . وقد سلف هذا البحث فيما مضى ، وفيه نحو هذا الشاهد 4 : 263 ، 270 / 6 : 125 .