محمد بن جرير الطبري
20
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
واعتلوا لقولهم هذا بأنّ الله تعالى ذكره نفى عن الأبصار أن تدركه ، من غير أن يدلّ فيها أو بآية غيرها على خصوصها . قالوا : وكذلك أخبرَ في آية أخرى أن وجوهًا إليه يوم القيامة ناظرة . قالوا : فأخبار الله لا تتنافى ولا تتعارض ، ( 1 ) وكلا الخبرين صحيح معناه على ما جاء به التنزيل . واعتلُّوا أيضًا من جهة العقل بأن قالوا : إن كان جائزًا أن نراه في الآخرة بأبصارنا هذه وإن زيد في قواها ، وجب أن نراه في الدنيا وإن ضعفت ، لأن كل حاسة خلقت لإدراك معنًى من المعاني ، فهي وإن ضعفت كل الضعف ، فقد تدرك مع ضعفها ما خلقت لإدراكه وإن ضعف إدراكها إياه ، ما لم تُعْدم . قالوا : فلو كان في البصر أن يُدرك صانعه في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات ويراه ، وجب أن يكون يدركه في الدنيا ويراه فيها وإن ضعف إدراكه إياه . قالوا : فلما كان ذلك غير موجود من أبصارنا في الدنيا ، كان غير جائز أن تكون في الآخرة إلا بهيئتها في الدنيا في أنها لا تدرك إلا ما كان من شأنها إدراكه في الدنيا . قالوا : فلما كان ذلك كذلك ، وكان الله تعالى ذكره قد أخبر أنّ وجوهًا في الآخرة تراه ، علم أنها تراه بغير حاسة البصر ، إذ كان غير جائز أن يكون خبرُه إلا حقًّا . * * * قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا ، ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر " = " وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب " ، ( 2 ) فالمؤمنون يرونه ، والكافرون عنه يومئذ محجوبون ، كما قال جل ثناؤه : ( كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) [ سورة المطففين : 15 ] . فأما ما اعتلَّ به منكرُو رؤية الله يوم القيامة بالأبصار ، لما كانت لا ترى إلا ما باينها ، وكان بينها وبينه فضاءٌ وفرجة ، وكان ذلك عندهم غير جائز أن تكون
--> ( 1 ) في المطبوعة : ( ( لا تتباين ) ) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب قراءتها . ( 2 ) انظر ص : 16 ، تعليق : 1 .