محمد بن جرير الطبري
21
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
رؤية الله بالأبصار كذلك ، لأن في ذلك إثبات حدٍّ له ونهايةٍ ، فبطل عندهم لذلك جواز الرؤية عليه = فإنه يقال لهم : ( 1 ) هل علمتم موصوفًا بالتدبير سوى صانعكم ، إلا مماسًّا لكم أو مباينًا ؟ فإن زعموا أنهم يعلمون ذلك ، كُلِّفوا تبيينه ، ولا سبيل إلى ذلك . وإن قالوا : لا نعلم ذلك . قيل لهم : أوليس قد علمتموه لا مماسًّا لكم ولا مباينًا ، وهو موصوف بالتدبير والفعل ، ولم يجب عندكم إذْ كنتم لم تعلموا موصوفًا بالتدبير والفعل غيره إلا مماسًّا لكم أو مباينًا ، أن يكون مستحيلا العلم به ، وهو موصوف بالتدبير والفعل ، لا مماس ولا مباين ؟ فإن قالوا : ذلك كذلك . قيل لهم : فما تنكرون أن تكون الأبصار كذلك لا ترى إلا ما باينها وكانت بينه وبينها فرجة ، قد تراه وهو غير مباين لها ولا فرجة بينها وبينه ولا فضاء ، كما لا تعلم القلوب موصوفًا بالتدبير إلا مماسًّا لها أو مباينًا ، وقد علمتْه عندكم لا كذلك ؟ وهل بينكم وبين من أنكر أن يكون موصوفًا بالتدبير والفعل معلومًا ، لا مماسًّا للعالم به أو مباينًا = وأجاز أن يكون موصوفًا برؤية الأبصار ، لا مماسًّا لها ولا مباينًا ، فرق ؟ ثم يسألون الفرقَ بين ذلك ، فلن يقولوا في شيء من ذلك قولا إلا ألزموا في الآخر مثله . وكذلك يسألون فيما اعتلوا به في ذلك : أن من شأن الأبصار إدراك الألوان ، كما أن من شأن الأسماع إدراك الأصوات ، ومن شأن المتنسِّم درَك الأعراف ، فمن الوجه الذي فسد أن يُقضى للسمع بغير درك الأصوات ، فسد أن يُقضى للأبصار لغير درك الألوان . ( 2 )
--> ( 1 ) في المطبوعة والمخطوطة : ( ( وإنه يقال لهم ) ) بالواو ، وصواب السياق ما أثبت . ( 2 ) في المطبوعة : ( ( أن يقتضي السمع لغير ) ) ، و ( ( أن تقتضي الأبصار لغير ) ) ، وأما المخطوطة ، ففيها ( ( أن يقضي السمع . . . ) ) ، و ( ( أن يقضي للأبصار ) ) ، والصواب ما أثبت .