محمد بن جرير الطبري
192
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
إبراهيم بن أبي بكر ، عن مجاهد : ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا ) ، قال : مما كان في الجاهلية يأكلون ، لا أجد محرمًا من ذلك على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دمًا مسفوحًا . * * * وأما قوله : ( أو دمًا مسفوحًا ) ، فإن معناه : أو دمًا مُسَالا مُهَرَاقًا . يقال منه : " سفحت دمه " ، إذا أرقته ، أسفحه سَفْحًا ، فهو دم مسفوح " ، كما قال طرفة بن العبد : إِنِّي وَجدِّكَ مَا هَجَوْتُكَ وَالْ . . . أَنْصَابِ يَسْفَحُ فَوْقَهُنَّ دَمُ ( 1 ) وكما قال عَبِيد بن الأبرص : إذَا مَا عَادَهُ مِنْهَا نِسَاءٌ . . . سَفَحْنَ الدَّمْعَ مِنْ بَعْدِ الرَّنِينِ ( 2 )
--> ( 1 ) ديوان الستة الجاهليين : 347 ، من ثلاثة أبيات يعتذر بها إلى عمرو بن هند ، حين بلغه أنه هجاه ، فتوعده ، يقول بعده : وَلَقَدْ هَمَمْتُ بِذَاكَ ، إِذْ حُبِسَتْ . . . وَأُمِرَّ دُونَ عَبِيدةَ الوَذَمُ أَخْشَى عِقَابَكَ إِنْ قَدَرْتَ ، وَلَمْ . . . أَغْدِرْ فَيُؤْثَرَ بَيْنَنَا الكلِمُ ( 2 ) ديوانه : 45 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة : ( ( منا نساء ) ) ، وهو خطأ لا شك فيه ، صوابه ما في الديوان ، وهو من قصيدته التي لام فيها امرأته لما أعرضت عنه لما كبر وشاب ، ومطت له حاجبيها استهزاء به ، فذكرها به ، فذكرها بما كان من ماضيه في اللهو والصبا والحرب ، فكان مما ذكرها به من ذلك شأنه في الحرب ، فقال : وَأَسْمَرَ قد نَصَبْتُ لِذي سَناءِ . . . يَرَى مِنّي مُخَالَطَةَ اليَقِينِ يُحَاوِلُ أَنْ يَقُومَ ، وقَدْ مَضَتْهُ . . . مغابنةٌ بِذِي خُرْصٍ قَتِينِ إذَا مَا عَادَهُ مِنْهَا نِسَاءٌ . . . سَفَحْنَ الدَّمْعَ من بعد الرَّنِينِ ( ( أسمر ) ) يعني رمحًا ، طعن به فارسًا ذا سناء وشرف ، فخالطه به مخالطة اليقين . فلما طعنه حاول أن يقوم ، وقد ( ( مضته ) ) ، أي : نفذت فيه طعنة ( ( مغابنة ) ) ، تخيط لحمه وتغبنه كما يغبن الثوب ، برمح ( ( ذي خرص ) ) أي سنان ، ( ( قتين ) ) ، أي : محدد الرأس . فإذا عاده النساء من هذه الطعنة ، صحن صياح الحزن ، وذلك هو ( ( الرنين ) ) ، من هول ما رأين من أثر الطعنة ، ثم سفحن الدمع لما يئسن ومن شفائه .