محمد بن جرير الطبري

19

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

يره . قالوا : وقد أخبر الله أن وجوهًا يوم القيامة إليه ناظرة . قالوا ، فمحالٌ أن تكون إليه ناظرة وهي له غير مدركة رؤيةً . قالوا : وإذا كان ذلك كذلك ، وكان غير جائز أن يكون في أخبار الله تضادٌّ وتعارض ، وجب وصحّ أن قوله : " لا تدركه الأبصار " ، على الخصوص لا على العموم ، وأن معناه : لا تدركه الأبصار في الدنيا ، وهو يدرك الأبصار في الدنيا والآخرة ، إذ كان الله قد استثنى ما استثنى منه بقوله : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) . * * * وقال آخرون من أهل هذه المقالة : الآية على الخصوص ، إلا أنه جائز أن يكون معنى الآية : لا تدركه أبصارُ الظالمين في الدنيا والآخرة ، وتدركه أبصار المؤمنين وأولياء الله . قالوا : وجائز أن يكون معناها : لا تدركه الأبصار بالنهاية والإحاطة ، وأما بالرؤية فَبَلَى . ( 1 ) قالوا : وجائز أن يكون معناها : لا تدركه الأبصار في الدنيا وتدركه في الآخرة = وجائز أن يكون معناها : لا تدركه أبصارُ من يراه بالمعنى الذي يدرك به القديم أبصارَ خلقه = فيكون الذي نفى عن خلقه من إدراك أبصارهم إياه ، هو الذي أثبته لنفسه ، إذ كانت أبصارهم ضعيفة لا تنفذ إلا فيما قوَّاها جل ثناؤه على النفوذ فيه ، وكانت كلها متجلية لبصره لا يخفى عليه منها شيء . قالوا : ولا شك في خصوص قوله : " لا تدركه الأبصار " ، وأن أولياء الله سيرونه يوم القيامة بأبصارهم ، غير أنا لا ندري أيَّ معاني الخصوص الأربعة أريد بالآية . واعتلُّوا لتصحيح القول بأن الله يرى في الآخرة ، بنحو علل الذين ذكرنا قبل . * * * وقال آخرون : الآية على العموم ، ولن يدرك الله بصرُ أحد في الدنيا والآخرة ; ولكن الله يُحدث لأوليائه يوم القيامة حاسّة سادسة سوى حواسِّهم الخمس ، فيرونه بها .

--> ( 1 ) ( ( بلى ) ) استعمالها مع غير الجحد ، قد سلف بيانه ودليله 2 : 280 ، 510 ، ثم 10 : 98 ، تعليق : 4 .