محمد بن جرير الطبري

18

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وكان من أجلّ ما زعموا أنهم علموا به صحة قولهم ذلك من الدليل ، أنهم لم يجدوا أبصارهم ترى شيئًا إلا ما باينها دون ما لاصقها ، فإنها لا ترى ما لاصقها . قالوا : فما كان للأبصار مباينًا مما عاينته ، فإن بينه وبينها فضاءً وفرجةً . قالوا : فإن كانت الأبصار ترى ربها يوم القيامة على نحو ما ترى الأشخاص اليوم ، فقد وجب أن يكون الصانع محدودًا . قالوا : ومن وصفه بذلك ، فقد وصفه بصفات الأجسام التي يجوز عليها الزيادة والنقصان . قالوا : وأخرى ، أن من شأن الأبصار أن تدرك الألوان ، كما من شأن الأسماع أن تدرك الأصوات ، ومن شأن المتنسِّم أن يدرك الأعراف . ( 1 ) قالوا : فمن الوجه الذي فسد أن يكون جائزًا أن يُقْضَى للسمع بغير إدراك الأصوات ، وللمتنسِّم إلا بإدراك الأعراف ، فسد أن يكون جائزًا القضاءُ للبصر إلا بإدراك الألوان . ( 2 ) قالوا : ولما كان غير جائز أن يكون الله تعالى ذكره موصوفًا بأنه ذو لون ، صح أنه غير جائز أن يكون موصوفًا بأنه مرئيٌّ . * * * وقال آخرون : معنى ذلك : لا تدركه أبصار الخلائق في الدنيا ، وأما في الآخرة فإنها تدركه . وقال أهل هذه المقالة : " الإدراك " ، في هذا الموضع ، الرؤية . واعتلّ أهل هذه المقالة لقولهم هذا بأن قالوا : " الإدراك " ، وإن كان قد يكون في بعض الأحوال بغير معنى الرؤية ، فإن الرؤية من أحد معانيه . وذلك أنه غير جائز أن يلحق بصرُه شيئًا فيراه ، وهو لما أبصره وعاينه غير مدرك ، وإن لم يحط بأجزائه كلها رؤية . قالوا : فرؤية ما عاينه الرائي إدراك له ، دون ما لم

--> ( 1 ) في المطبوعة : ( ( المتنشم ) ) بالشين ، وهو خطأ صرف ، والصواب بالسين كما في المخطوطة . يقال ( ( تنسيم النسيم ) ) ، إذا تشممه . و ( ( الأعراف ) ) جمع ( ( عرف ) ) ( بفتح فسكون ) : الرائحة ، طيبة كانت أو خبيثة . يقال : ( ( ما أطيب عرفها ) ) ، أي : رائحتها . ( 2 ) في المخطوطة : ( ( انقضاء البصر ) ) ، والصواب ما في المطبوعة .