محمد بن جرير الطبري
171
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
يبسه وجفوفه كَيْلا = علم أن ما يؤخذ صدقة بعد حين حَصْده ، غير الذي يجب إيتاؤه المساكين يوم حَصاده . * * * فإن قال قائل : وما تنكر أن يكون ذلك إيجابًا من الله في المال حقًّا سوى الصدقة المفروضة ؟ قيل : لأنه لا يخلو أن يكون ذلك فرضًا واجبًا ، أو نَفْلا . فإن يكن فرضًا واجبًا ، فقد وجب أن يكون سبيلُه سبيلَ الصدقات المفروضات التي من فرَّط في أدائها إلى أهلها كان بربِّه آثمًا ، ولأمره مخالفًا . ( 1 ) وفي قيام الحجة بأن لا فرض لله في المال بعد الزكاة يجبُ وجوبَ الزكاة سوى ما يجبُ من النفقة لمن يلزم المرءَ نفقته ، ما ينبئ عن أنّ ذلك ليس كذلك . = أو يكون ذلك نَفْلا . فإن يكن ذلك كذلك ، فقد وجب أن يكون الخيارُ في إعطاء ذلك إلى ربّ الحرث والثمر . وفي إيجاب القائلين بوجوب ذلك ، ما ينبئ عن أن ذلك ليسَ كذلك . وإذا خرجت الآية من أن يكون مرادًا بها الندب ، وكان غير جائز أن يكون لها مخرجٌ في وجوب الفرض بها في هذا الوقت ، علم أنها منسوخة . ومما يؤيد ما قلنا في ذلك من القول دليلا على صحته ، أنه جل ثناؤه أتبع قوله : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، ( ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) ، ومعلوم أنّ من حكم الله في عباده مذ فرض في أموالهم الصدقة المفروضة المؤقتة القدرِ ، أنّ القائم بأخذ ذلك ساستهم ورُعاتهم . وإذا كان ذلك كذلك ، فما وجه نهي ربّ المال عن الإسراف في إيتاء ذلك ، والآخذ مُجْبِرٌ ، وإنما يأخذ الحق الذي فرض لله فيه ؟ * * *
--> ( 1 ) انظر تفسير قوله : ( ( بربه آثمًا ) ) فيما سلف 4 : 530 ، تعليق : 3 / 6 : 92 ، تعليق : 2 / 11 : 180 ، تعليق 3 / 11 : 328 ، تعليق : 2 .