محمد بن جرير الطبري
120
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك بالصواب ، قولُ من قال : معناه : وكذلك نجعل بعض الظالمين لبعضٍ أولياء . لأن الله ذكر قبل هذه الآية ما كان من قول المشركين ، فقال جل ثناؤه : ( وقال أولياؤهم من الإنس ربّنا استمتع بعضنا ببعض ) ، وأخبر جل ثناؤه : أنّ بعضهم أولياء بعض ، ثم عقب خبره ذلك بخبره عن أن ولاية بعضهم بعضًا بتوليته إياهم ، فقال : وكما جعلنا بعض هؤلاء المشركين من الجن والإنس أولياء بعض يستمتع بعضهم ببعض ، كذلك نجعل بعضَهم أولياء بعض في كل الأمور = " بما كانوا يكسبون " ، من معاصي الله ويعملونه . ( 1 ) * * * القول في تأويل قوله : { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا } قال أبو جعفر : وهذا خبر من الله جل ثناؤه عما هو قائل يوم القيامة لهؤلاء العادلين به من مشركي الإنس والجن ، يخبر أنه يقول لهم تعالى ذكره يومئذ : ( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ) ، يقول : يخبرونكم بما أوحي إليهم من تنبيهي إياكم على مواضع حججي ، وتعريفي لكم أدلّتي على توحيدي ، وتصديق أنبيائي ، والعمل بأمري ، والانتهاء إلى حدودي = ( وينذرونكم لقاء يومكم هذا ) ، يقول : يحذّرونكم لقاء عذابي في يومكم هذا ، وعقابي على معصيتكم إيّاي ، فتنتهوا عن معاصيَّ . ( 2 ) وهذا من الله جل ثناؤه تقريع وتوبيخ لهؤلاء الكفرة على ما سلف منهم في الدنيا من الفسوق والمعاصي . ومعناه : قد أتاكم رسلٌ منكم ينبِّهونكم على خطأ ما كنتم
--> ( 1 ) انظر تفسير ( ( الكسب ) ) فيما سلف : 11 : 448 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك . ( 2 ) انظر تفسير ( ( الإنذار ) ) فيما سلف من فهارس اللغة ( نذر ) .