محمد بن جرير الطبري
553
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
عند إطلاقهم الأسير ، بالخبر عن فك يديه عن رقبته ، وهم يريدون الخبرَ عن إطلاقه من أسره ، ( 1 ) كما يقال : " قبضَ فلان يده عن فلان " ، إذا أمسك يده عن نواله = " وبسط فيه لسانه " ، ( 2 ) إذا قال فيه سوءًا = فيضافُ الفعل إلى الجارحة التي يكون بها ذلك الفعل دون فاعله ، لاستعمال الناس ذلك بينهم ، وعلمهم بمعنى ذلك . فكذلك ذلك في قول الله تعالى ذكره : " أو تحرير رقبة " ، أضيف " التحرير " إلى " الرقبة " ، وإن لم يكن هناك غُلٌّ في رقبته ولا شدُّ يَدٍ إليها ، وكان المراد بالتحرير نفسَ العبد ، بما وصفنا ، من جَرّاء استعمال الناس ذلك بينهم لمعرفتهم بمعناه . ( 3 ) * * * فإن قال قائل : أفكلّ الرقاب معنيٌّ بذلك أو بعضه ؟ ( 4 ) قيل : بل معنيّ بذلك كل رقبة كانت سليمة من الإقعاد ، ( 5 ) والعمَى والخرس ، وقطع اليدين أو شللهما والجنون المطبق ، ونظائر ذلك . فإن من كان به ذلك أو شيء منه من الرقاب ، فلا خلاف بين الجميع من الحجة أنه لا يجزئ في كفارة اليمين . فكان معلومًا بذلك أن الله تعالى ذكره لم يعنه بالتحرير في هذه الآية . فأما الصغير والكبير والمسلم والكافر ، فإنهم معنيون به . * * *
--> ( 1 ) انظر تفسير : " وفي الرقاب " فيما سلف 3 : 347 . وتفسير ذلك هناك مختصر ، وهو هنا مفصل . وهذا باب من أبواب اختصار أبي جعفر في تفسيره هذا . ( 2 ) انظر ما سلف في مثل ذلك في تفسير قوله تعالى : " بل يداه مبسوطتان " ص : 451 وما قبله في تفسير : " بما قدمت أيديهم " 2 : 368 . ( 3 ) في المطبوعة والمخطوطة : " من جرى استعمال . . . " ، وصواب قراءتها " من جراء " وكذلك كتبتها ، فإن الذي في كلام الطبري هو " جرى " المقصورة من " جراء " . فلذلك كتبها بالياء . يقال : " فعلت ذلك من جراك ، ومن جرائك " ، أي : من أجلك ، وقد جمعتا في شعر واحد : أَمِنْ جَرَّا بَنِي أَسَدٍ غَضِبْتُمُ . . . وَلَوْ شِئْتُمْ لَكَانَ لَكُمْ جِوَارُ وَمنْ جَرَّائِنَا صِرْتُمْ عَبِيدًا . . . لِقَوْمٍ ، بَعْدَ مَا وُطِئَ الخِيَارُ ( 4 ) في المطبوعة : " أو بعضها " ، والذي في المخطوطة صواب محض . ( 5 ) " الإقعاد " و " القعاد " ( بضم القاف ) : داء يقعد . " أقعد الرجل فهو مقعد " ، إذا أصابه القعاد فحال بينه وبين المشي .