محمد بن جرير الطبري
442
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وهو : ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) ، بنصب " الطاغوت " وإعمال " عبد " فيه ، وتوجيه " عبد " إلى أنه فعل ماض من " العبادة " . والآخر : ( وعبد الطاغوت ) ، على مثال " فَعُلٍ " ، وخفض " الطاغوت " بإضافة " عَبُدٍ " إليه . فإذ كانت قراءة القراءة بأحد هذين الوجهين دون غيرهما من الأوجه التي هي أصح مخرجًا في العربية منهما ، فأولاهما بالصواب من القراءة ، قراءة من قرأ ذلك ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) ، بمعنى : وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت ، لأنه ذكر أن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب وابن مسعود : ( وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) ، بمعنى : والذين عبدوا الطاغوت = ففي ذلك دليل واضحٌ على صحة المعنى الذي ذكرنا من أنه مراد به : ومَن عبد الطاغوت ، وأن النصب ب - " الطاغوت " أولى ، على ما وصفت في القراءة ، لإعمال " عبد " فيه ، إذ كان الوجه الآخر غير مستفيض في العرب ولا معروف في كلامها . على أن أهل العربية يستنكرون إعمال شيء في " مَنْ " و " الذي " المضمرين مع " مِنْ " و " في " إذا كفت " مِنْ " أو " في " منهما ويستقبحونه ، حتى كان بعضهم يُحيل ذلك ولا يجيزه . وكان الذي يحيل ذلك يقرأه : ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) ، فهو على قوله خطأ ولحن غير جائز . وكان آخرون منهم يستجيزونه على قبح . فالواجب على قولهم أن تكون القراءة بذلك قبيحة . وهم مع استقباحهم ذلك في الكلام ، قد اختاروا القراءة بها ، وإعمال و " جعل " في " مَنْ " ، وهي محذوفة مع " مِن " . ولو كنا نستجيز مخالفة الجماعة في شيء مما جاءت به مجمعة عليه ، لاخترنا القراءة بغير هاتين القراءتين ، غير أن ما جاء به المسلمون مستفيضًا فيهم لا يتناكرونه ، ( 1 ) فلا نستجيز الخروجَ منه إلى غيره . فلذلك لم نستجز القراءة بخلاف إحدى القراءتين
--> ( 1 ) في المطبوعة : " فهم لا يتناكرونه " ، وأثبت ما في المخطوطة .