محمد بن جرير الطبري
419
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
آمنوا من يرتد منكم عن دينه " الآية ، وعيدٌ من الله أنه من ارتدّ منكم ، أنه سيستبدل خيًرا منهم . * * * وأما على قول من قال : عنى بذلك الأنصار ، فإن تأويله في ذلك نظير تأويل من تأوَّله أنه عُنِي به أبو بكر وأصحابه . * * * قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب ، ما رُوي به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنهم أهل اليمن ، قوم أبي موسى الأشعري . ولولا الخبر الذي روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر الذي روي عنه ، ما كان القول عندي في ذلك إلا قول من قال : " هم أبو بكر وأصحابه " . وذلك أنه لم يقاتل قومًا كانوا أظهروا الإسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتدوا على أعقابهم كفارًا ، غير أبي بكر ومن كان معه ممن قاتل أهل الردة معه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولكنا تركنا القول في ذلك للخبر الذي رُوي فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنْ كان صلى الله عليه وسلم مَعْدِن البيان عن تأويل ما أنزل الله من وحيه وآيِ كتابه . ( 1 ) * * * فإن قال لنا قائل : فإن كان القومُ الذين ذكر الله أنه سيأتي بهم = عند ارتداد من ارتد عن دينه ، ممن كان قد أسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم = هم أهل اليمن ، فهل كان أهل اليمن أيام قتال أبي بكر رضي الله عنه أهل الردة أعوانَ أبي بكر على قتالهم ، فتستجيز أن توجِّه تأويل الآية إلى ما وجِّهت إليه ؟ ( 2 )
--> ( 1 ) " المعدن " ( بفتح الميم ، وسكون العين ، وكسر الدال ) : مكان كل شيء يكون فيه أصله ومبدؤه . ومنه قيل : " معدن الذهب والفضة " ، وهو الذي نسميه اليوم " المنجم " ، حيث أنبت الله سبحانه وتعالى جوهرهما ، وأثبتهما فيه . ومنه في المجاز ، ما جاء في الخبر : " فعن معادن العرب تسألوني ؟ قالوا : نعم " يعني : أصولها التي ينسبون إليها ، ويتفاخرون بها . ( 2 ) في المطبوعة : " حتى تستجيز " ، وفي المخطوطة : " تستجير " بغير " حتى " ، فآثرت قراءتها كما أثبتها .