محمد بن جرير الطبري
375
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وذلك أن الله تعالى لم ينزل كتابًا على نبيٍّ من أنبيائه إلا ليعمل بما فيه أهله الذين أمروا بالعمل بما فيه ، ولم ينزله عليهم إلا وقد أمرهم بالعمل بما فيه ، فللعمل بما فيه أنزله ، وأمرًا بالعمل بما فيه أنزله . ( 1 ) فكذلك الإنجيل ، إذ كان من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه ، فللعمل بما فيه أنزله على عيسى ، وأمرًا بالعمل به أهلَه أنزله عليه . ( 2 ) فسواءٌ قرئ على وجه الأمر بتسكين " اللام " ، أو قرئ على وجه الخبر بكسرها ، لاتفاق معنييهما . * * * وأما ما ذكر عن أبيّ بن كعب من قراءته ذلك ( وأن ليحكم ) على وجه الأمر ، فذلك مما لم يَصِحّ به النقل عنه . ولو صحّ أيضا ، لم يكن في ذلك ما يوجب أن تكون القراءة بخلافه محظورةً ، إذ كان معناها صحيحًا ، وكان المتقدّمون من أئمة القراءة قد قرأوا بها . * * * وإذ كان الأمر في ذلك على ما بيَّنَّا ، فتأويل الكلام ، إذا قرئ بكسر " اللام " من " ليحكم " : وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل فيه هدًى ونورٌ ومصدقًا لما بين يديه من التوراة وهدًى وموعظة للمتقين ، وكيْ يحكم أهلُ الإنجيل بما أنزلنا فيه ، فبدّلوا حكمه وخالفوه ، فضلُّوا بخلافهم إياه إذ لم يحكموا بما أنزل الله فيه وخالفوه = " فأولئك هم الفاسقون " ، يعني : الخارجين عن أمر الله فيه ، المخالفين له فيما أمرهم ونهاهم في كتابه . * * * فأما إذا قرئ بتسكين " اللام " ، فتأويله : وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل ، فيه هدى ونورٌ ومصدقا لما بين يديه من التوراة ، وأمرنا أهله أن يحكُموا بما أنزلنا
--> ( 1 ) في المطبوعة : " وأمر بالعمل بما فيه أهله " ، فغير ما في المخطوطة تغييرًا مفسدًا للمعنى ، مزيلا لقصد أبي جعفر من هذه الجملة التي احتج بها في تقارب معنى القراءتين . وهذا عجب من سوء التصرف . وكذلك سيفعل في الجملة التالية ، كما سترى في التعليق . ( 2 ) في المطبوعة ، أسقط قوله : " أنزله عليه " وكتب " وأمر بالعمل به أهله " ، فأخل بمقصد أبي جعفر ، كما فعل بالجملة السالفة . انظر التعليق السالف .