محمد بن جرير الطبري
311
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فاجتمعوا ليرجموه ، فاجتمعت الضعفاء فقالوا : لا ترجموه حتى تأتُوا بصاحبكم فترجمونهما جميعًا ! فقالت بنو إسرائيل : إن هذا الأمر قد اشتد علينا ، فتعالوا فلنصلحه ! فتركوا الرجم ، وجعلوا مكانه أربعين جَلْدة بحبل مقيَّر ، ويحملونه على حمار ووجهه إلى ذنبه ، ( 1 ) ويسوِّدون وجهه ، ويطوفون به . فكانوا يفعلون ذلك حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم وقدم المدينة ، فزنت امرأة من أشراف اليهود يقال لها : " بسرة " ، فبعث أبوها ناسًا من أصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : سلوه عن الزنا وما نزل إليه فيه ، فإنا نخاف أن يفضحنا ويُخْبرنا بما صنعنا ، فإن أعطاكم الجلد فخذُوه ، وإن أمركم بالرجم فاحذروه ! فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه ، فقال : الرجم ! فأنزل الله عز وجل : " ومن الذين هادوا سمَّاعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرِّفون الكلم من بعد مواضعه " ، حين حرَّفوا الرجم فجعلوه جلدًا . * * * قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب ، قولُ من قال : إن " السماعين للكذب " ، هم " السماعون لقوم آخرين " . ( 2 ) وقد يجوز أن يكون أولئك كانوا من يهود المدينة ، والمسموعُ لهم من يَهُود فدك = ويجوز أن يكون كانوا من غيرهم . غير أنه أيّ ذلك كان ، فهو من صفة قوٍم من يهود ، سَمِعوا الكذب على الله في حكم المرأة التي كانت بغت فيهم وهي محصنة ، وأن حكمها في التوراة التحميم والجلد ، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحكم اللازم لها ، وسمعوا ما يقول فيها قوم المرأة الفاجرة قَبْل أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم محتكمين إليه فيها . وإنما سألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك
--> ( 1 ) في المطبوعة : " ويحممونه ويحملونه على حمار " ، زاد " ويحممونه " ، ولا معنى لزيادتها ، فإنه سيأتي بعد ما هو بمعناها ، وهو قوله : " ويسودون وجهه " . وأثبت ما في المخطوطة ، وإن كان فيها " ويحملوه على حمار " . ( 2 ) في المطبوعة : " إن السماعون . . . " ، وأثبت ما في المخطوطة .