محمد بن جرير الطبري
301
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
يمتنع شيء مما في واحدة منهما مما أرادَه ، لأن كل ذلك ملكه ، وإليه أمره ، ولا نسب بينه وبين شيء مما فيهما ولا مما في واحدة منهما ، فيحابيه بسبب قرابته منه ، فينجيه من عذابه ، وهو به كافر ، ولأمره ونهيه مخالف = أو يدخله النار وهو له مطيع لبعد قرابته منه ، ولكنه يعذّب من يشاء من خلقه في الدنيا على معصيته بالقتل والخسف والمسخ وغير ذلك من صنوف عذابه ، ويغفر لمن يشاء منهم في الدنيا بالتّوبة عليه من كفره ومعصيته ، فينقذه من الهلكة ، وينجيه من العقوبة = " والله على كل شيء قدير " ، يقول : والله جل وعز على تعذيب من أرَاد تعذيبه من خلقه على معصيته ، وغفرانِ ما أراد غفرانه منهم باستنقاذه من الهلكة بالتوبة عليه وغير ذلك من الأمور كلها = قادرٌ ، لأن الخلق خلقُه ، والملك ملكه ، والعباد عباده . * * * وخرج قوله : " ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض " ، ( 1 ) خطابًا له صلى الله عليه وسلم ، والمعنيُّ به من ذكرتُ من فرق بني إسرائيل الذين كانوا بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما حَوَاليها . وقد بيَّنا استعمال العرب نظيرَ ذلك في كلامها بشواهده فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . ( 2 ) * * * القول في تأويل قوله عز ذكره : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ } قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية . فقال بعضهم : نزلت في أبي لُبابة بن عبد المنذر ، بقوله لبني قريظة حين حاصرهم النبيّ صلى الله عليه وسلم : " إنما هو الذَّبح ، فلا تنزلوا على حكم سعد " .
--> ( 1 ) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من نظائرها ، في فهارس اللغة . ( 2 ) انظر ما سلف 2 : 484 - 488 .