محمد بن جرير الطبري

274

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وقال آخرون : معنى " النفي من الأرض " ، في هذا الموضع : الحبس . ذكر من روى ذلك عنه : وهو قول أبي حنيفة وأصحابه . * * * قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب ، قولُ من قال : معنى " النفي من الأرض " ، في هذا الموضع ، هو نفيه من بلد إلى بلد غيره ، وحبْسُه في السجن في البلد الذي نفي إليه ، حتى تظهر توبته من فسوقه ، ونزوعه عن معصيته ربَّه . وإنما قلتُ ذلك أولى الأقوال بالصحة ، لأن أهل التأويل اختلفوا في معنى ذلك على أحد الأوجه الثلاثة التي ذكرت . وإذْ كان ذلك كذلك = وكان معلومًا أن الله جل ثناؤه إنما جعل جزاء المحارب : القتلَ أو الصلبَ أو قطعَ اليد والرجل من خلافٍ ، بعد القدرة عليه ، لا في حال امتناعه = كان معلومًا أنّ النفي أيضًا إنما هو جزاؤه بعد القُدرة عليه ، لا قبلها . ولو كان هَرَبه من الطلب نفيًا له من الأرض ، ( 1 ) كان قطع يده ورجله من خلافٍ في حال امتناعه وحربه على وجه القتال ، بمعنى إقامة الحدِّ عليه بعد القدرة عليه . وفي إجماع الجميع أن ذلك لا يقوم مقام نفيه الذي جعله الله عز وجل حدًّا له بعد القدرة عليه ، [ بطل أن يكون نفيُه من الأرض ، هربَهُ من الطلب ] . ( 2 ) وإذْ كان كذلك ، فمعلوم أنه لم يبق إلا الوجهان الآخران ، وهو النفي من بلدة إلى أخرى غيرها ، أو السَّجْن . فإذْ كان كذلك ، فلا شك أنه إذا

--> ( 1 ) في المطبوعة : " هروبه " ، وفي المخطوطة : " هو به " ، و " الهروب " ليس مصدرًا عربيًا ، وإن كان قد كثر استعماله في زماننا هذا ، وإنما المصدر " الهرب " ( بفتحتين ) ، فالصواب " هربه " كما أثبت . ( 2 ) هذه الزيادة بين القوسين ، زيادة لا بد منها حتى يستقيم الكلام . وقد استظهرتها من كلام أبي جعفر فيما سلف ، وما سيأتي بعده .