محمد بن جرير الطبري

275

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

نُفي من بلدةٍ إلى أخرى غيرها ، فلم ينف من الأرض ، بل إنما نفي من أرض دون أرض . وإذ كان ذلك كذلك = وكان الله جل ثناؤه إنما أمر بنفيه من الأرض = كان معلومًا أنه لا سبيل إلى نفيه من الأرض إلا بحبسه في بُقْعة منها عن سائرها ، فيكون منفيًّا حينئذ عن جميعها ، إلا مما لا سبيل إلى نفيه منه . * * * وأما معنى " النفي " ، في كلام العرب ، فهو الطرد ، ومن ذلك قول أوس بن حجر : يُنْفَوْنَ عَنْ طْرُقِ الكِرَامِ كَمَا . . . تَنْفِي المَطَارِقُ مَا بَلِي القَرَدُ ( 1 ) ومنه قيل للدراهم الرديئة وغيرها من كل شيء : " النُّفَاية " . ( 2 ) وأما المصدر من " نفيت " ، فإنه " النفي " " والنَّفَاية " ، ( 3 ) ويقال : " الدلو ينفي الماء " ، ويقال لما تطاير من الماء من الدلو : " النّفِيُّ " ، ومنه قول الراجز : ( 4 )

--> ( 1 ) شرح المفضليات : 827 ، وليس في ديوان أوس ، وهو من شعره ، من القصيدة الخامسة التي أولها : أَبَنِي لُبَيْنَي لَسْتُمُ بِيَدٍ . . . إِلا يَدٌ لَيْسِتْ لَهَا عَضُدُ ويهجوهم ، ورواية المفضليات " من طرق الكرام " . و " المطارق " جمع " مطرقة " و " مطرق " وهو القضيب الذي يضرب به الصوف أو القطن لينتفش ، وينفي منه القرد . و " القرد " ( بفتحتين ) : ما تمعط من الوبر والصوف وتلبد وانعقدت أطرافه ، وهو نفاية الصوف ، ثم استعمل فيما سواه من الوبر والشعر والكتان . وقوله : " ما يلي القرد " ، أي : ما وليه القرد ، من قولهم " وليه يليه " ، أي : قاربه ودنا منه . يعني : ما قاربه القرد وباشره ولصق به تعقده . وكان في المطبوعة : " ما يلي الفردا " ، وهو خطأ ، ومخالفة للمخطوطة ، وهي فيها منقوطة ، على خلاف العادة في مثلها . ( 2 ) " النفاية " هنا ( بضم النون ) ، لا شك في ذلك . انظر التعليق التالي . ( 3 ) و " النفاية " هنا ( بكسر النون ) ، لأنه عدها مصدرًا ، مثل : " رعت الماشية رعيًا ورعاية " ( بكسر الراء ) . هكذا استظهرته . وأما كتب اللغة فلم تذكر في مصادر " نفي " إلا " نفيًا " و " نفيانًا " فهذا مصدر يزاد عليها إن صح له شاهد من الشعر أو الآثار . ( 4 ) هو الأخيل الطائي .