محمد بن جرير الطبري
266
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
" القطعُ في رُبْع دينارٍ فصاعدًا " ، ( 1 ) وغيرُ المعروف من أحكامه . ( 2 ) * * * فإن قال قائل : فإن هذه الأحكام التي ذكرتَ ، كانت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير المحارب ، وللمحارب حكم غير ذلك منفرد به . قيل له : فما الحكم الذي انفرد به المحارب في سننه ؟ فإن ادَّعى عنه صلى الله عليه وسلم حكمًا خلاف الذي ذكرنا ، أكذبه جميعُ أهل العلم ، لأن ذلك غير موجود بنقلِ واحدٍ ولا جماعة . وإن زعم أن ذلك الحكم هو ما في ظاهر الكتاب ، قيل له : فإن أحسن حالاتك إن سُلِّم لك ، ( 3 ) أن ظاهر الآية قد يحتمل ما قلت وما قاله من خالفك = فما برهانك على أنّ تأويلك أولى بتأويل الآية من تأويله ؟ وبعد ، فإذ كان الإمام مخيَّرًا في الحكم على المحارب ، من أجل أنّ " أو " بمعنى التخيير في هذا الموضع عندك ، أفله أن يصلبه حيًّا ، ويتركه على الخشبة مصلوبًا حتى يموت من غير قتله . فإن قال : " ذلك له " ، خالف في ذلك الأمة . وإن زعم أنَّ ذلك ليس له ، وإنما له قتله ثم صلبه ، أو صلبه ثم قتله = ترك علّته من أنّ الإمام إنما كان له الخيار في الحكم على المحارب من أجل أن " أو " تأتي بمعنى التخيير . وقيل له : فكيف كان له الخيار في القتل أو النفي أو القطع ، ولم يكن له الخيار في الصلب وحده ، حتى تجمع إليه عقوبة أخرى ؟
--> ( 1 ) هذا خبر مجمع عليه في الصحاح ، انظر فتح الباري 12 : 89 - 91 ، وسيأتي تخريجه برقم : 11912 . ( 2 ) قوله : " وغير المعروف من أحكامه " ، معطوف على ما سلف : " وذلك قول إن قاله قائل : خلاف ما صححت به الآثار عن رسول الله . . . " . ( 3 ) في المطبوعة : " أن يسلم لك " ، غير ما في المخطوطة ، وهو محض الصواب .