محمد بن جرير الطبري

265

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

جزاء المؤمنين عند الله يوم القيامة أن يدخلهم الجنة ، أو يرفع منازلهم في علِّيين ، أو يسكنهم مع الأنبياء والصديقين " ، فمعلوم أن قائل ذلك غير قاصد بقيله إلى أن جزاء كل مؤمن آمن بالله ورسوله ، فهو في مرتبة واحدة من هذه المراتب ، ومنزلة واحدة من هذه المنازل = بإيمانه ، بل المعقول عنه أن معناه : أن جزاء المؤمن لن يخلُو عند الله عز ذكره من بعض هذه المنازل . فالمقتصد منزلته دون منزلة السابق بالخيرات ، والسابق بالخيرات أعلى منه منزلة ، والظالم لنفسه دونهما ، ( 1 ) وكلٌّ في الجنة كما قال جل ثناؤه : ( جنات عدن يدخلونها ) [ سورة فاطر : 33 ] . فكذلك معنى العطوف ب - " أو " في قوله : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله " ، الآية ، إنما هو التعقيب . فتأويله : إن الذي يحارب الله ورسوله ويسعى في الأرض فسادًا ، لن يخلو من أن يستحق الجزاءَ بإحدى هذه الخلال الأربع التي ذكرها الله عز ذكره = لا أن الإمام محكم فيه ومخيَّرٌ في أمره = كائنةً ما كانت حالته ، عظمت جريرته أو خفَّتْ ، ( 2 ) لأن ذلك لو كان كذلك ، لكان للإمام قتل من شَهر السلاح مخيفًا السبيلَ وصلْبُه ، وإن لم يأخذ مالا ولا قتل أحدًا ، وكان له نفيُ من قَتَل وأخذَ المال وأخافَ السبيل . وذلك قولٌ إن قاله قائل ، خلافُ ما صحّت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : " لا يحل دَمُ امرئ ٍمسلم إلا بإحدى ثلاث : رجل قتل رجلا فقتل به ، أو زنى بعد إحصان فرجم ، أو ارتَدّ عن دينه " ( 3 ) = وخلاف قوله :

--> ( 1 ) اقرأ آية " سورة فاطر " : 32 { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } . ( 2 ) في المطبوعة : " وعظمت " بواو لامكان لها هنا . ( 3 ) انظر تخريج هذا الخبر فيما سلف قريبًا ص : 261 ، تعليق : 3 .