محمد بن جرير الطبري

229

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

11766 - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جابر بن نوح قال ، حدثنا الأعمش ، عن خيثمة قال : لما قتل ابن آدم أخاه نَشِفت الأرض دمه ، فلُعِنت فلم تَنْشَف الأرض دمًا بعدُ . ( 1 ) * * * قال أبو جعفر : فتأويل الكلام : فأثار الله للقاتل ( 2 ) = إذ لم يدر ما يصنع بأخيه المقتول = " غرابًا يبحث في الأرض " ، يقول : يحفر في الأرض ، فيثير ترابها = " ليريه كيف يواري سوأة أخيه " ، يقول : ليريه كيف يواري جيفةَ أخيه . * * * وقد يحتمل أن يكون عُنِيَ ب - " السوأة " ، الفرج ، غير أن الأغلب من معناه ما ذكرت من الجيفة ، بذلك جاء تأويل أهل التأويل . * * * قال أبو جعفر : وفي ذلك محذوفٌ ترك ذكره ، استغناء بدلالة ما ذكر منه ، وهو : " فأراه بأن بحث في الأرض لغراب آخر ميتٍ فواراه فيها " ، فقال القاتل أخاه حينئذ : " يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب " ، الذي وارى الغرابَ الآخر الميتَ = " فأواري سوأة أخي " ، فواراه حينئذ = " فأصبح من النادمين " ، على ما فرط منه ، من معصية الله عز ذكره في قتله أخاه . ( 3 ) * * * وكل ما ذكر الله عز وجلّ في هذه الآيات ، مثلٌ ضربه الله عز ذكره لبني آدم ، وحرَّض به المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على استعمال العفوِ والصفح عن اليهود = الذين كانوا هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وقتلهم = من بني النضير ، ( 4 ) إذ أتوهم يستعينونهم في دية قتيلي عمرو بن أمية الضمري ،

--> ( 1 ) " نشفت الأرض الماء تنشفه نشفًا " ( على وزن : علم يعلم ) : شربته . ( 2 ) انظر تفسير " بعث " فيما سلف 2 : 84 ، 85 / 5 : 457 . ( 3 ) في المخطوطة : " في قتله أخيه " ، والصواب ما في المطبوعة ، أو تكون : " في قتل أخيه " . ( 4 ) السياق : " . . . عن اليهود . . . من بني النضير " .