محمد بن جرير الطبري
153
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
كما سائر بني آدم مجزيُّون بإحسانهم ، وإن أسأتم جوزيتم بإساءتكم ، كما غيركم مجزيٌّ بها ، ليس لكم عند الله إلا ما لغيركم من خلقه ، فإنه يغفر لمن يشاء من أهل الإيمان به ذنوبَه ، فيصفح عنه بفضله ، ويسترها عليه برحمته ، فلا يعاقبه بها . * * * وقد بينا معنى " المغفرة " ، في موضع غير هذا بشواهده ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع . ( 1 ) . * * * = " ويعذب من يشاء " يقول : ويعدل على من يشاء من خلقه فيعاقبه على ذنوبه ، ويفضَحه بها على رؤوس الأشهاد فلا يسترها عليه . * * * وإنما هذا من الله عز وجل وعيد لهؤلاء اليهود والنصارى المتّكلين على منازل سَلَفهم الخيارِ عند الله ، الذين فضلهم الله جل وعز بطاعتهم إياه ، واجتباهم لمسارعتهم إلى رضاه ، ( 2 ) واصطبارهم على ما نابهم فيه . ( 3 ) يقول لهم : لا تغتروا بمكان أولئك مني ومنازلهم عندي ، فإنهم إنما نالوا ما نالوا منّي بالطاعة لي ، وإيثار رضاي على محابِّهم = ( 4 ) لا بالأماني ، فجدُّوا في طاعتي ، وانتهوا إلى أمري ، وانزجروا عما نهيتُهم عنه ، فإني إنما أغفر ذنوب من أشاء أن أغفر ذنوبه من أهل طاعتي ، وأعذّب من أشاء تعذيبه من أهل معصيتي = ( 5 ) لا لمن قرَّبتْ زُلْفَةُ آبائه مني ، وهو لي عدوّ ، ولأمري ونهيي مخالفٌ . * * *
--> ( 1 ) انظر ما سلف 2 : 109 ، 110 ، ثم سائر فهارس اللغة . ( 2 ) في المطبوعة : " واجتنابهم معصيته لمسارعتهم " ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة ، وزاد " معصيته " لتستقيم له قراءته . و " الاجتباء " : الاصطفاء والاختيار . ( 3 ) في المخطوطة : " إلى ما نابهم فيه " ، والجيد ما في المطبوعة . ( 4 ) يقول : " نالوا ما نالوا مني بالطاعة لي . . لا بالأماني " . هكذا السياق . ( 5 ) يقول : " فإني أغفر ذنوب من أشاء . . لا لمن قربت زلفة آبائه مني " ، هكذا السياق .