محمد بن جرير الطبري

589

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

عنى بقوله : " والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " ، حرائرَ المؤمنين وأهل الكتاب . لأن الله جل ثناؤه لم يأذن بنكاح الإماء الأحرارِ في الحال التي أباحهن لهم ، إلا أن يكنَّ مؤمنات ، فقال عز ذكره : ( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ) [ سورة النساء : 25 ] ، فلم يبح منهن إلا المؤمنات . فلو كان مرادًا بقوله : " والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب " ، العفائفَ ، لدخل العفائف من إمائهم في الإباحة ، وخرج منها غير العفائف من حرائرهم وحرائر أهل الإيمان . وقد أحل الله لنا حرائر المؤمنات ، وإن كن قد أتين بفاحشة بقوله : ( وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ) [ سورة النور : 32 ] . وقد دللنا على فساد قول من قال : " لا يحلُّ نكاح من أتى الفاحشة من نساء المؤمنين وأهل الكتاب للمؤمنين " ، في موضع غير هذا ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . ( 1 ) = فنكاح حرائر المسلمين وأهل الكتاب حلال للمؤمنين ، كن قد أتين بفاحشة أو لم يأتين بفاحشة ، ذميةً كانت أو حربيّةً ، بعد أن تكون بموضع لا يخافُ الناكح فيه على ولده أن يُجْبر على الكفر ، بظاهر قول الله جل وعز : " والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " . * * * فأما قول الذي قال : " عنى بذلك نساء بني إسرائيل ، الكتابيّات منهن خاصة " ( 2 ) فقول لا يوجب التشاغل بالبيان عنه ، لشذوذه والخروج عما عليه علماء الأمة ، من تحليل نساء جميع اليهود والنصارى . وقد دللنا على فساد قول قائل

--> ( 1 ) انظر ما سلف 8 : 189 ، 190 . ( 2 ) يعني قول الشافعي فيما سلف ص 587 ، 588 : تعليق : 1 .