محمد بن جرير الطبري
506
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
هو بها قبل حال موته ( 1 ) فيقال لما قرَّب المشركون لآلهتهم فسموه لهم : " هو ما أهل لغير الله به " ، بمعنى سمى قربانًا لغير الله . وكذلك " المنخنقة " ، إذا انخنقت وإن لم تمت ، فهي منخنقة . وكذلك سائر ما حرمه الله جل وعز بعد قوله : " وما أهل لغير الله به " ، إلا بالتذكية ، فإنه يوصف بالصفة التي هو بها قبل موته ، فحرمه الله على عباده إلا بالتذكية المحللة ، دون الموت بالسبب الذي كان به موصوفًا . فإذ كان ذلك كذلك ، فتأويل الآية : وحرم عليكم ما أهل لغير الله به والمنخنقة وكذا وكذا وكذا ، إلا ما ذكيتم من ذلك . ف - " ما " = إذ كان ذلك تأويله = في موضع نصب بالاستثناء مما قبلها . وقد يجوز فيه الرفع . وإذ كان الأمر على ما وصفنا ، فكل ما أدركت ذكاتُه من طائر أو بهيمة قبل خروج نفسه ، ومفارقة روحه جسدَه ، فحلال أكله ، إذا كان مما أحلَّه الله لعباده . * * * فإن قال لنا قائل : فإذ كان ذلك معناه عندك ، فما وجه تكريره ما كرّر بقوله : " وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية " ، وسائر ما عدَّد تحريمه في هذه الآية ، وقد افتتح الآية بقوله : " حرمت عليكم الميتة " ؟ وقد علمت أن قوله : " حرمت عليكم الميتة " ، شامل كل ميتة ، كان موته حتف أنفه من علة به من غير جناية أحد عليه ، أو كان موته من ضرب ضاربٍ إياه ، أو انخناق منه ، أو انتطاح ، أو فَرْس سبع ؟ وهلا كان قوله = إن كان الأمر على ما وصفت في ذلك ، من أنه معنيٌّ بالتحريم في كل ذلك : الميتة بالانخناق والنطاح والوقذ وأكل السبع أو غير ذلك ، دون أن يكون معنيًّا به تحريمه إذا تردّى أو انخنق أو فرسه السبع ، فبلغ ذلك منه ما يعلم أنه لا يعيش مما أصابه منه إلا باليسير من الحياة ( 2 )
--> ( 1 ) في المخطوطة : " موتها " ، وهما سواء . ( 2 ) سياق هذه العبارة المطولة : " وهلا كان قوله . . : حرمت عليكم الميتة ، مغنيًا من تكرير ما كرر . . وتعداده ما عدد " ، وما بينهما فصل وضعته بين خطين .