محمد بن جرير الطبري

505

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وقال آخرون : هو استثناء من التحريم ، وليس باستثناء من المحرَّمات التي ذكرها الله تعالى في قوله : " حرمت عليكم الميتة " ، لأن الميتة لا ذكاة لها ، ولا للخنزير . قالوا : وإنما معنى الآية : حرمت عليكم الميتة والدم وسائر ما سمينا مع ذلك ، إلا ما ذكيتم مما أحلَّه الله لكم بالتذكية ، فإنه لكم حلال . وممن قال ذلك جماعة من أهل المدينة . ذكر بعض من قال ذلك : 11045 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال ، قال مالك ، وسئل عن الشاة التي يخرِق جوفها السبع حتى تخرجَ أمعاؤها ، فقال مالك : لا أرى أن تذكَّى ، ولا يؤكل أي شيء يذكَّى منها . 11046 - حدثني يونس ، عن أشهب قال : سئل مالك عن السبع يَعْدُو على الكبش فيدقُّ ظهره ، أترى أن يذكَّى قبل أن يموت فيؤكل ؟ قال : إن كان بلغ السَّحْر ( 1 ) فلا أرى أن يؤكل . وإن كان إنما أصاب أطرافه ، فلا أرى بذلك بأسًا . قيل له : وثب عليه فدقَّ ظهره ؟ قال : لا يعجبني أن يؤكل ، هذا لا يعيش منه . قيل له : فالذئب يعدو على الشاة فيشق بطنها ولا يشق الأمعاء ؟ قال : إذا شق بطنها ، فلا أرى أن تؤكل . * * * وعلى هذا القول يجب أن يكون قوله : " إلا ما ذكيتم " ، استثناء منقطعًا . = فيكون تأويل الآية : حرمت عليكم الميتة والدم وسائر ما ذكرنا ، ولكن ما ذكيتم من الحيوانات التي أحللتها لكم بالتذكية حلال . * * * قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب ، القول الأول ، وهو أن قوله : " إلا ما ذكيتم " استثناء من قوله : " وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع " ، لأن كل ذلك مستحق الصفة التي

--> ( 1 ) " السحر " ( بفتح فسكون ) : هو الرئة ، أو ما التزق بالحلقوم والمريء من أعلى البطن .