محمد بن جرير الطبري

459

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : وأولى التأويلين في ذلك بالصواب ، تأويل من قال : " عنى بذلك : إلا ما يتلى عليكم من تحريم الله ما حرّم عليكم بقوله : " حرمت عليكم الميتة " ، الآية . لأن الله عز وجل استثنى مما أباح لعباده من بهيمة الأنعام ، ما حرَّم عليهم منها . والذي حرّم عليهم منها ، ما بيّنه في قوله : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ ) [ سورة المائدة : 3 ] . وإن كان حرَّمه الله علينا ، فليس من بهيمة الأنعام فيستثنى منها . فاستثناء ما حرَّم علينا مما دخل في جملة ما قبل الاستثناء ، أشبهُ من استثناء ما حرَّم مما لم يدخل في جملة ما قبل الاستثناء . * * * القول في تأويل قوله : { غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك . فقال بعضهم : معنى ذلك : " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " = " غير محلي الصيد وأنتم حرم " = " أحلت لكم بهيمة الأنعام " فذلك ، على قولهم ، من المؤخر الذي معناه التقديم . ف - " غير " منصوب = على قول قائلي هذه المقالة = على الحال مما في قوله : " أوفوا " من ذكر " الذين آمنوا " . وتأويل الكلام على مذهبهم : أوفوا ، أيها المؤمنون ، بعقود الله التي عقدها عليكم في كتابه ، لا محلّين الصيد وأنتم حرم . * * * وقال آخرون : معنى ذلك : أحلت لكم بهيمة الأنعام الوحشية من الظباء والبقر والحمر = " غير محلي الصيد " ، غير مستحلِّي اصطيادها ، وأنتم حرم إلا