محمد بن جرير الطبري
375
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
جواب مُجيبه منهم : " أنا " ، وعاينوا تحوُّل المجيب في صورة عيسى بعقب جوابه ؟ ولكن ذلك كان = إن شاء الله = على نحو ما وصف وهب بن منبه : إما أن يكون القوم الذين كانوا مع عيسى في البيت الذي رفع منه من حواريه ، حوَّلهم الله جميعًا في صورة عيسى حين أراد الله رفعه ، فلم يثبتوا عيسى معرفةً بعينه من غيره لتشابه صور جميعهم ، فقتلت اليهود منهم من قتلت وهم يُرَونه بصورة عيسى ، ويحسبونه إياه ، لأنهم كانوا به عارفين قبل ذلك . وظنّ الذين كانوا في البيت مع عيسى مثل الذي ظنت اليهود ، لأنهم لم يميِّزوا شخصَ عيسى من شخص غيره ، لتشابه شخصه وشخص غيره ممن كان معه في البيت . فاتفقوا جميعهم = يعني : اليهود والنصارى ( 1 ) = من أجل ذلك على أن المقتول كان عيسى ، ولم يكن به ، ولكنه شُبِّه لهم ، كما قال الله جل ثناؤه : " وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم " . = أو يكون الأمر في ذلك كان على نحو ما روى عبد الصمد بن معقل ، عن وهب بن منبه : أن القوم الذين كانوا مع عيسى في البيت ، تفرقوا عنه قبل أن يدخل عليه اليهود ، وبقي عيسى ، وألقي شبهه على بعض أصحابه الذين كانوا معه في البيت بعد ما تفرق القوم غيرَ عيسى ، وغيرَ الذي ألقي عليه شَبهه . ورفع عيسى ، فقتل الذي تحوّل في صورة عيسى من أصحابه ، وظن أصحابُه واليهود أن الذي قتل وصلب هو عيسى ، لما رأوا من شبهه به ، وخفاء أمر عيسى عليهم . لأن رفعه وتحوّل المقتول في صورته ، كان بعد تفرق أصحابه عنه ، وقد كانوا سمعوا عيسى من الليل ينعَى نفسه ، ويحزن لما قد ظنَّ أنه نازل به من الموت ، فحكوا ما كان عندهم حقًّا ، والأمر عند الله في الحقيقة بخلاف ما حكوا . فلم يستحق الذين حكوا ذلك من حواريّيه أن يكونوا كذبة ، إذ حكوا ما كان حقًّا عندهم في الظاهر ، ( 2 )
--> ( 1 ) في المطبوعة : " أعني " ، وأثبت ما في المخطوطة . ( 2 ) في المطبوعة : " أو حكوا " ، وفي المخطوطة : " إذا حكوا " ، والصواب ما أثبت .