محمد بن جرير الطبري
360
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وقوله : " من بعد ما جاءتهم البينات " ، يعني : من بعد ما جاءت هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوا ، البينات من الله ، والدلالاتُ الواضحات بأنهم لن يروا الله عيانًا جهارًا . وإنما عنى ب " البينات " : أنها آيات تبين عن أنهم لن يروا الله في أيام حياتهم في الدنيا جهرة . ( 1 ) وكانت تلك الآيات البينات لهم على أن ذلك كذلك : إصعاقُ الله إياهم عند مسألتهم موسى أن يريهم ربه جهرة ، ثم إحياءه إياهم بعد مماتهم ، مع سائر الآيات التي أراهم الله دلالةً على ذلك . * * * = يقول الله ، مقبِّحًا إليهم فعلهم ذلك ، وموضحًا لعباده جهلهم ونقصَ عقولهم وأحلامهم : ثم أقرُّوا للعجل بأنه لهم إله ، وهم يرونه عيانًا ، وينظرون إليه جِهَارًا ، بعد ما أراهم ربهم من الآيات البينات ما أراهم : أنهم لا يرون ربهم جهرة وعِيانًا في حياتهم الدنيا ، فعكفوا على عبادته مصدِّقين بألوهته ! ! * * * وقوله : " فعفونا عن ذلك " ، يقول : فعفونا لعبدة العجل عن عبادتهم إياه ، ( 2 ) وللمصدقين منهم بأنه إلههم بعد الذي أراهم الله أنهم لا يرون ربهم في حياتهم من الآيات ما أراهم = عن تصديقهم بذلك ، ( 3 ) بالتوبة التي تابوها إلى ربّهم بقتلهم أنفسهم ، وصبرهم في ذلك على أمر ربهم = " وآتينا موسى سلطانًا مبينًا " ، يقول : وآتينا موسى حجة تبين عن صدقه ، وحقيقة نبوّته ، ( 4 ) وتلك الحجة هي : الآيات البينات التي آتاه الله إياها . ( 5 ) * * *
--> ( 1 ) انظر تفسير " البينات " فيما سلف 7 : 450 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك . ( 2 ) انظر تفسير " العفو " فيما سلف ص : 351 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك . ( 3 ) السياق : " فعفونا لعبدة العجل . . . عن تصديقهم بذلك " . ( 4 ) في المطبوعة : " وحقية نبوته " ، غير ما في المخطوطة عن وجهه ، ظنًا منه أنه خطأ ، وقد أشرنا إلى مثل ذلك من فعله فيما سلف ص : 336 ، تعليق : 4 ، وما سيأتي بعد قليل ص : 363 ، تعليق 2 . ( 5 ) انظر تفسير " الإيتاء " فيما سلف من فهارس اللغة . وتفسير " السلطان " فيما سلف 7 : 279 / 9 : 336 ، 337 . وتفسير " مبين " فيما سلف ص : 336 تعليق : 3 ، والمراجع هناك .