محمد بن جرير الطبري

178

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

إنما طعامهم بالمدينة التمر والشَّعير ، وكان الرجل إذا كان له يَسَار فقدمت ضَافِطة من الشأم بالدَّرْمك ، ( 1 ) ابتاع الرجل منها فخصَّ به نفسه . ( 2 ) فأما العِيال ، فإنما طعامهم التمر والشَّعير . فقدمت ضافطة من الشأم ، فابتاع عمي رِفاعة بن زيد حملا من الدَّرمك ، فجعله في مَشْرُبة له ، ( 3 ) وفي المشربة سلاح له : دِرْعَان وسيفاهما وما يصلحهما . فعُدِي عليه من تحت الليل ، ( 4 ) فنُقِبَت المشربة ، وأُخِذَ الطعام والسّلاح . فلما أصبح ، أتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي ، تعلَّم أنه قد عُدي علينا في ليلتنا هذه ، ( 5 ) فنقبت مشرُبتنا ، فذُهِب بسلاحنا وطعامنا ! قال : فتحسّسنا في الدار ، ( 6 ) وسألنا ، فقيل لنا : قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة ، ولا نرى فيما نراه إلا على بعض طعامكم . = قال : وقد كان بنو أبيرق قالوا ونحن نسأل في الدار : والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل ! = رجلا منا له صلاح وإسلام . ( 7 ) فلما سمع بذلك لبيد ، اخترط سيفه ثم أتى بني أبيرق فقال : ( 8 ) والله ليخالطنكم هذا السيف ، أو لتُبَيّننَّ هذه

--> ( 1 ) الضافطة : كانوا قومًا من الأنباط يحملون إلى المدينة الدقيق والزيت وغيرهما . ثم قالوا للذي يجلب الميرة والمتاع إلى المدن ، والمكاري الذي يكري الأحمال " الضافطة " و " الضفاط " . و " الدرمك " هو الدقيق النقي الحواري ، الأبيض . ( 2 ) في المطبوعة : " ابتاع الرجل منهم " ، وفي المخطوطة : " منا " ، وأثبت ما في المراجع . ( 3 ) " المشربة " ( بفتح الميم وسكون الشين وفتح الراء أو ضمها ) : وهي الغرفة ، أو العلية ، أو الصفة بين يدي الغرفة . والمشارب : العلالي . ( 4 ) في المراجع الأخرى : " من تحت البيت " ، وكأن الذي في الطبري هو صواب الرواية . ( 5 ) " تعلم " ( بتشديد اللام ) ، بمعنى : اعلم . ( 6 ) في المطبوعة والمخطوطة : " فتجسسنا " بالجيم ، وهي صواب ، وأجود منها بالحاء ، كما في سائر المراجع . " تحسس الخبر " : تطلبه وتبحثه ، وفي التنزيل : " يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه " . و " الدار " هنا : المحلة التي تنزلها القبيلة أو البطن منها ، ويعني بها القبيلة أو البطن ، كما جاء في الحديث : " ألا أنبئكم بخير دور الأنصار ؟ دور بني النجار ، ثم دور بني عبد الأشهل ، وفي كل دور الأنصار خير " . يعني القبيلة المجتمعة في محلة تسكنها . ( 7 ) في المطبوعة : " رجل " بالرفع ، كأنه استنكر النصب ! وهو صواب محض عال . ( 8 ) " اخترط سيفه " : سله من غمده .