محمد بن جرير الطبري

90

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قد أمِرتَ أن تكتب لي ! فلا يدعه ويضارّه بذلك وهو يجد غيره . ويأتي الرجل فيقول : انطلق معي فاشهد لي ! فيقول : انطلق إلى غيري فإني مشغول = أو : لي حاجة ! ( 1 ) فيلزمه ويقول : قد أمِرت أن تتبعني . فيضاره بذلك ، وهو يجد غيره ، فأنزل الله عز وجل : " ولا يضار كاتب ولا شهيد " . 6429 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه : " ولا يضار كاتب ولا شهيد " ، يقول : إن لي حاجة فدعني ! فيقول : اكتب لي = " ولا شهيد " ، كذلك . * * * قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : معنى ذلك : " ولا يضار كاتب ولا شهيد " ، بمعنى : ولا يضارهما من استكتَبَ هذا أو استشهدَ هذا ، بأن يأبى على هذا إلا أن يكتبَ له وهو مشغول بأمر نفسه ، ويأبى على هذا إلا أن يجيبه إلى الشهادة وهو غير فارغ = ( 2 ) على ما قاله قائلوا ذلك من القول الذي ذكرنا قبل . وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب من غيره ، لأن الخطاب من الله عز وجل في هذه الآية من مُبتدئها إلى انقضائها على وجه : " افعلوا = أو : لا تفعلوا " ، إنما هو خطابٌ لأهل الحقوق والمكتوب بينهم الكتابُ ، والمشهود لهم أو عليهم بالذي تداينوه بينهم من الديون . فأما ما كان من أمر أو نهي فيها لغيرهم ، فإنما هو على وجه الأمر والنهي للغائب غير المخاطب ، كقوله : " وليكتب بينكم كاتب " ، وكقوله : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " ، وما أشبه ذلك . فالوجهُ = إذْ كان المأمورون فيها مخاطبين بقوله : " وإن تَفعلوا فإنه فُسوقٌ بكم " = [ بأن يكون

--> ( 1 ) في المطبوعة : " ويأتي الرجل فيقول : انطلق معي . فيقول : اذهب إلى غيري فإني مشغول " وكان في المخطوطة : " ويأتي الرجل فيقول : انطلق معي إلى غيري فإني مشغول " ، وهو فاسدًا ، وآثرت تصحيحه على وجه غير الوجه الذي كان في المطبوعة ، ليكون أوضح وأقرب إلى معنى الشهادة . ( 2 ) في المطبوعة : " أن يجيب " وأثبت ما في المخطوطة .