محمد بن جرير الطبري

464

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله : { ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 55 ) } قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : " ثم إليّ " ، ثم إلى الله ، أيها المختلفون في عيسى = " مرجعكم " ، يعني : مصيركم يوم القيامة = " فأحكم بينكم " ، يقول : فأقضي حينئذ بين جَميعكم في أمر عيسى بالحق = " فيما كنتم فيه تختلفون " من أمره . وهذا من الكلام الذي صُرف من الخبر عن الغائب إلى المخاطبة ، وذلك أن قوله : " ثم إليَّ مرجعكم " ، إنما قُصد به الخبرُ عن متَّبعي عيسى والكافرين به . وتأويل الكلام : وجاعلُ الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ، ثم إليّ مَرجعُ الفريقين : الذين اتبعوك ، والذين كفروا بك ، فأحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون . ولكن ردَّ الكلام إلى الخطاب لسبوق القول ، ( 1 ) على سبيل ما ذكرنا من الكلام الذي يخرج على وجه الحكاية ، كما قال : ( حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ) [ سورة يونس : 22 ] . ( 2 ) * * *

--> ( 1 ) في المطبوعة : " لسوق القول " وهو خطأ لا معنى له . وفي المخطوطة " لسوق " غير منقوطة ، فلم يحسن قراءتها . والطبري يكثر استعمال " سبوق " مصدر " سبق " ، كما أشرت إليه في 4 : 287 ، تعليق : 4 / ثم ص : 427 ، تعليق : 1 / ثم ص : 446 ، تعليق : 4 ، وغيره من المواضع . ويعني بقوله : " لسبوق القول " مثل ما مضى من قوله في 1 : 153 أن من شأن العرب " إذا حكت ، أو أمرت بحكاية خبر يتلو القول ، أن تخاطب ثم تخبر عن غائب ، وتخبر عن غائب ثم تعود إلى الخطاب ، لما في الحكاية بالقول من معنى الغائب والمخاطب " . والقول هنا هو قوله تعالى : " إذ قال الله يا عيسى . . . " . ومعنى ما قال الطبري ، أن قوله تعالى : " ثم إلي مرجعكم . . . " إنما هو في أمر الذين اختلفوا في أمر عيسى ، وقالوا فيه ما قالوا من اليهود والنصارى وغيرهم ، وأمر الذين قالوا فيه الحق ولم يمتروا فيه أنه عبد الله ورسوله . وذلك بعد أن كان الخطاب إلى عيسى نفسه ، وكان ذكر الذين اتبعوه والذين كفروا به ، غائبًا في خطاب عيسى ، فرد الخطاب إليهم في آخر الآية . ( 2 ) انظر ما سلف 1 : 153 ، 154 / 3 : 304 ، 305 .