محمد بن جرير الطبري

443

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

" والإحساس " ، هو الوجود ، ومنه قول الله عز وجل : ( هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ ) [ سورة مريم : 98 ] . فأما " الحَسُّ " ، بغير " ألف " ، فهو الإفناء والقتل ، ومنه قوله : ( إذ تحسونهم بإذنه ) [ سورة آل عمران : 152 ] . " والحَسُّ " أيضًا العطف والرقة ، ومنه قول الكميت : هَلْ مَنْ بَكَى الدَّارَ رَاجٍ أَنْ تَحِسَّ لَهُ ، . . . أَوْ يُبْكِيَ الدَّارَ مَاءُ العَبْرَةِ الخَضِلُ ? ( 1 ) يعني بقوله : " أن تحس له " ، أن ترقّ له . * * * فتأويل الكلام : فلما وَجد عيسى - من بني إسرائيل الذين أرسله الله إليهم - جحودًا لنبوّته ، وتكذيبًا لقوله ، وصدًّا عما دعاهم إليه من أمر الله ، قال : " مَن أنصاري إلى الله " ؟ ، يعني بذلك : قال عيسى : من أعواني على المكذبين بحجة الله ، ( 2 ) والمولِّين عن دينه ، والجاحدين نبوة نبيه ، = " إلى الله " عز وجل ؟ * * * ويعني بقوله : " إلى الله " ، مع الله . وإنما حَسُن أن يقال : " إلى الله " ، بمعنى : مع الله ، لأن من شأن العرب إذا ضموا الشيء إلى غيره ، ثم أرادوا الخبر عنهما بضم أحدهما مع الآخر إذا ضم إليه ، جعلوا مكان " مع " ، " إلى " أحيانًا ، وأحيانًا تخبر عنهما ب - " مع " فتقول : " الذود إلى الذود إبل " ، بمعنى : إذا ضممتَ الذود إلى الذود صارت إبلا . فأما إذا كان الشيء مع الشيء لم يقولوه ب - " إلى " ، ولم يجعلوا مكان " مع " " إلى " .

--> ( 1 ) معاني القرآن للفراء 1 : 217 ، ومجالس ثعلب : 486 ، وإصلاح المنطق : 240 ، واللسان ( حسس ) . والخضل : المتتابع الدائم الكثير الهمول . يتعجب من الباكي على أطلال أحبابه ، وما يرجو منها : أترق له ، أم تبكي لبكائه ؟ يسفه ما يفعل . ثم انظر سائر ما قيل في هذا الحرف من اللغة في المراجع السالفة . ( 2 ) انظر تفسير " الأنصار " فيما سلف 2 : 489 / 5 : 581 .