محمد بن جرير الطبري
319
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله عز وجل : { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا } قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : ويحذركم الله نفسه في يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا موفَّرًا ، " وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا " = يعني غاية بعيدة ، فإن مصيركم أيها القوم يومئذ إليه ، فاحذروه على أنفسكم من ذنوبكم . * * * وكان قتادة يقول في معنى قوله : " محضرًا " ، ( 1 ) ما : - 6840 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا " ، يقول : موفَّرًا . * * * قال أبو جعفر : وقد زعم [ بعض ] أهل العربية أنّ معنى ذلك : ( 2 ) واذكر يوم تجد . وقال : إن ذلك إنما جاء كذلك ، لأن القرآن إنما نزل للأمر والذكر ، كأنه قيل لهم : اذكروا كذا وكذا ، لأنه في القرآن في غير موضع : " واتقوا يوم كذا ، وحين كذا " . * * * وأما " ما " التي مع " عملت " ، فبمعنى " الذي " ، ولا يجوز أن تكون جزاءً ، لوقوع " تجد " عليه . ( 3 ) وأما قوله : " وما عملت من سوء " ، فإنه معطوف على قوله : " ما " الأولى ، و " عملت " صلةٌ بمعنى الرّفع ، لمَّا قيل : " تود " . ( 4 )
--> ( 1 ) هذا المعنى قلما تصيبه في كتب اللغة ، فأثبته فيها . ( 2 ) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق . ( 3 ) الوقوع : التعدي ، وقد سلف شرح ذلك فاطلبه في فهرس المصطلحات . ( 4 ) في المطبوعة والمخطوطة : " كما قيل تود " ، والصواب ما أثبت . وقد استظهرت قراءتها من كلام الفراء في معاني القرآن 1 : 206 ، ونص كلامه : " وقوله وما عملت من سوء - فإنك ترده أيضًا على ( ما ) ، فتجعل ( عملت ) صلة لها في مذهب رفع لقوله ( تود لو أن بينها ) " ، ويعني بذلك أن جملة " تود " مفعول ثان لقوله : " تجد " ، كما كان " محضرًا " مفعولا ثانيًا . وسيأتي ذلك بعد قليل في تفسيره .