محمد بن جرير الطبري

318

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله : { قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 29 ) } قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : " قل " يا محمد ، للذين أمرتهم أن لا يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين = " إن تخفوا ما في صدوركم " من موالاة الكفار فتُسِرُّوه ، أو تبدوا ذلكم من نفوسكم بألسنتكم وأفعالكم فتظهروه = " يعلمه الله " ، فلا يخفى عليه . يقول : فلا تُضمروا لهم مودّةً ولا تظهروا لهم موالاة ، فينالكم من عقوبة ربكم ما لا طاقة لكم به ، لأنه يعلم سرّكم وعلانيتكم ، فلا يخفى عليه شيء منه ، وهو مُحصيه عليكم حتى يجازيَكم عليه بالإحسان إحسانًا ، وبالسيئة مثلها ، كما : - 6839 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : أخبرهم أنه يعلم ما أسرّوا من ذلك وما أعلنوا ، فقال : " إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه " . * * * وأما قوله : " ويعلم ما في السماوات وما في الأرض " ، فإنه يعني أنه إذ كان لا يخفى عليه شيء هو في سماء أو أرض أو حيث كان ، فكيف يخفى عليه - أيها القوم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين - ما في صدوركم من الميْل إليهم بالمودة والمحبة ، أو ما تبدونه لهم بالمعونة فعلا وقولا . * * * وأما قوله : " والله على كل شيء قدير " ، فإنه يعني : والله قديرٌ على معاجلتكم بالعقوبة على مُوالاتكم إياهم ومظاهرتكموهم على المؤمنين ، وعلى ما يشاء من الأمور كلها ، لا يتعذَّر عليه شيء أراده ، ولا يمتنع عليه شيء طلبه . * * *