محمد بن جرير الطبري
309
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال أبو جعفر : وأولى التأويلات التي ذكرناها في هذه الآية بالصواب ، تأويلُ من قال : " يخرج الإنسان الحيّ والأنعام والبهائم الأحياءَ من النُّطف الميتة = وذلك إخراجُ الحيّ من الميت = ويخرج النطفة الميتة من الإنسان الحي والأنعام والبهائم الأحياء = وذلك إخراج الميت من الحيّ " . وذلك أن كل حيّ فارقه شيء من جسده ، فذلك الذي فارقه منه ميت . فالنطفة ميتة لمفارقتها جسد من خرجت منه ، ثم ينشئ الله منها إنسانًا حيًا وبهائمَ وأنعامًا أحياءً . وكذلك حكم كل شيء حيّ زايله شيء منه ، فالذي زَايله منه ميت . وذلك هو نظير قوله : ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) [ سورة البقرة : 28 ] . * * * وأما تأويل من تأوّله بمعنى الحبة من السنبلة ، والسنبلة من الحبة ، والبيضة من الدجاجة ، والدجاجة من البيضة ، والمؤمن من الكافر ، والكافر من المؤمن = فإن ذلك ، وإن كان له وجه مفهوم ، فليس ذلك الأغلب الظاهرَ في استعمال الناس في الكلام . وتوجيهُ معاني كتاب الله عز وجل إلى الظاهر المستعمل في الناس ، أولى من توجيهها إلى الخفيّ القليل في الاستعمال . * * * واختلفت القراءة في قراءة ذلك . فقرأته جماعة منهم : ( تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ) بالتشديد ، وتثقيل " الياء " من " الميت " ، بمعنى أنه يخرج الشيء الحي من الشيء الذي قد ماتَ ، ومما لم يمت . * * *