محمد بن جرير الطبري
188
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
والحديبية الذين شهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرّضوان من المهاجرين والأنصار خبرٌ لمن استخبر ، وعبرةٌ لمن استعبر ، لمن كان يَعْقِل أو يُبصر . ( 1 ) إن الخوارج خرجوا وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ كثيرٌ بالمدينة والشأم والعراق ، وأزواجه يومئذ أحياء . والله إنْ خَرَج منهم ذكرٌ ولا أنثى حروريًّا قط ، ولا رضوا الذي هم عليه ، ولا مالأوهم فيه ، بل كانوا يحدّثون بعيب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم ونعتِه الذي نعتهم به ، وكانوا يبغضونهم بقلوبهم ، ويعادونهم بألسنتهم ، وتشتدّ والله عليهم أيديهم إذا لقوهم . ولعمري لو كان أمر الخوارج هُدًى لاجتمع ، ولكنه كان ضلالا فتفرّق . وكذلك الأمر إذا كان من عند غير الله وجدت فيه اختلافًا كثيرًا . فقد ألاصوا هذا الأمر منذ زمان طويل . ( 2 ) فهل أفلحوا فيه يومًا أو أنجحوا ؟ يا سبحان الله ؟ كيف لا يعتبر آخر هؤلاء القوم بأوّلهم ؟ لو كانوا على هدى ، قد أظهره الله وأفلجه ونصره ، ( 3 ) ولكنهم كانوا على باطل أكذبه الله وأدحضه . فهم كما رأيتهم ، كلما خَرج لهم قَرْنٌ أدحض الله حجتهم ، وأكذب أحدوثتهم ، وأهرَاق دماءهم . إن كتموا كان قَرْحًا في قلوبهم ، ( 4 ) وغمًّا عليهم . وإن أظهروه أهرَاق الله دماءهم . ذاكم والله دينَ سَوْء فاجتنبوه . والله
--> ( 1 ) يعني بذلك العبرة التي كانت في بدر ، حين أشار على رسول الله أصحابه أن يدع منزله الأول الذي نزله ، إلى المنزل الذي أشاروا به عليه - والعبرة التي كانت في الحديبية حين قال بعض أصحاب بيعة الرضوان ما قالوا في كراهة الصلح الذي عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين قريش . وفي ذلك برهان على فساد مقالة الخوارج ، ومقالة السبائية . ( 2 ) ألاص الأمر : أداره وحاوله . وألاص فلانًا على هذا الأمر : أداره على الشيء الذي يريده . ( 3 ) في المطبوعة : " أفلحه " بالحاء المهملة ، وهو في المخطوطة غير منقوطة ، وصواب قراءته بالجيم . أفلج الله حجته : أظهرها ، وجعل له الفلج ، أي الفوز والغلبة . ( 4 ) في المخطوطة والمطبوعة : " وإن كتموا . . . " ، والسياق يقتضي حذف الواو .