محمد بن جرير الطبري
133
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
قال أبو جعفر : إن قال لنا قائل : وهل يحوز أن يؤاخذ الله عز وجل عباده بما نسوا أو أخطأوا ، فيسألوه أن لا يؤاخذهم بذلك ؟ قيل : إن " النسيان " على وجهين : أحدهما على وجه التضييع من العبد والتفريط ، والآخر على وجه عجز الناسي عن حفظ ما استحفظ ووكل به ، وضعف عقله عن احتماله . = فأما الذي يكون من العبد على وجه التضييع منه والتفريط ، فهو ترك منه لما أمر بفعله . فذلك الذي يرغب العبد إلى الله عز وجل في تركه مؤاخذته به ، وهو " النسيان " الذي عاقب الله عز وجل به آدم صلوات الله عليه فأخرجه من الجنة ، فقال في ذلك : ( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ) [ سورة طه : 115 ] ، وهو " النسيان " الذي قال جل ثناؤه : ( فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا ) [ سورة الأعراف : 51 ] . فرغبة العبد إلى الله عز وجل بقوله : " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " ، فيما كان من نسيان منه لما أمر بفعله على هذا الوجه الذي وصفنا ، ما لم يكن تركه ما ترك من ذلك تفريطا منه فيه وتضييعا ، كفرا بالله عز وجل . فإن ذلك إذا كان كفرا بالله ، فإن الرغبة إلى الله في تركه المؤاخذة به غير جائزة ، لأن الله عز وجل قد أخبر عباده أنه لا يغفر لهم الشرك به ، فمسألته فعل ما قد أعلمهم أنه لا يفعله ، خطأ . وإنما تكون مسألته المغفرة ، فيما كان من مثل نسيانه القرآن بعد حفظه بتشاغله عنه وعن قراءته ، ومثل نسيانه صلاة أو صياما ، باشتغاله عنهما بغيرهما حتى ضيعهما . = وأما الذي العبد به غير مؤاخذ ، لعجز بنيته عن حفظه ، وقلة احتمال عقله ما وكل بمراعاته ، فإن ذلك من العبد غير معصية ، وهو به غير آثم ، فذلك الذي لا وجه لمسألة العبد ربه أن يغفره له ، لأنه مسألة منه له أن يغفر له ما ليس له بذنب ، وذلك مثل الأمر يغلب عليه وهو حريص على تذكره وحفظه ، كالرجل