محمد بن جرير الطبري
16
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
أنزلته في التوراة = " إن كنتم صادقين " ، يقول : إن كنتم محقين في دعواكم أنّ الله أنزل تحريمَ ذلك في التوراة ، فأتونا بها ، فاتلوا تحريمَ ذلك علينا منها . * * * وإنما ذلك خبر من الله عن كذبهم ، لأنهم لا يجيئون بذلك أبدًا على صحته ، فأعلم الله بكذبهم عليه نبيَّه صلى الله عليه وسلم ، وجعل إعلامه إياه ذلك حجةً له عليهم . لأن ذلك إذْ كان يخفى على كثير من أهل ملتّهم ، فمحمد صلى الله عليه وسلم وهو أميٌّ من غير ملتهم ، لولا أن الله أعلمه ذلك بوحي من عنده = كان أحرَى أن لا يعلمَه . فكان ذلك له صلى الله عليه وسلم ، ( 1 ) من أعظم الحجة عليهم بأنه نبي الله صلى الله عليه وسلم ، إليهم . لأن ذلك من أخبار أوائلهم كان من خفيِّ عُلومهم الذي لا يعلمه غير خاصة منهم ، إلا من أعلمه الذي لا يخفى عليه خافية من نبي أو رسول ، أو من أطلعه الله على علمه ممن شاء من خلقه . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 94 ) } قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بذلك : فمن كذَب على الله منا ومنكم ، من بعد مجيئكم بالتوراة ، وتلاوتكم إياها ، وَعَدَمِكم ما ادّعيتم من تحريم الله العروقَ ولحومَ الإبل وألبانها فيها = " فأولئك هم الظالمون " يعني : فمن فعل ذلك منهم = " فأولئك " ، يعني : فهؤلاء الذين يفعلون ذلك = " هم الظالمون " ، يعني : فهم الكافرون ، القائلون على الله الباطل ، كما : -
--> ( 1 ) في المطبوعة والمخطوطة : " فكان في ذلك له صلى الله عليه وسلم " ، و " في " زيادة لا شك فيها من سبق قلم الناسخ .