محمد بن جرير الطبري
354
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
والفخر ، الذين يبخلون بتبيين ما أمرهم الله بتبيينه للناس ، من اسم محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفته التي أنزلها في كتبه على أنبيائه ، وهم به عالمون = ويأمرون الناس الذين يعلمون ذلك مثل علمهم ، بكتمان ما أمرهم الله بتبيينه له ، ويكتمون ما آتاهم الله من علم ذلك ومعرفته مَنْ حرّم الله عليه كتمانه إيّاه . * * * وأما على تأويل ابن عباس وابن زيد : " إن الله لا يحب من كان مختالا فخورًا " ، الذين يبخلون على الناس بفضل ما رزقهم الله من أموالهم ، ثم سائر تأويلهما وتأويل غيرهما سواء . * * * قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ، ما قاله الذين قالوا : إن الله وصف هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في هذه الآية ، بالبخل بتعريف من جهل أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم أنه حقّ ، وأنّ محمدًا لله نبيّ مبعوث ، وغير ذلك من الحق الذي كان الله تعالى ذكره قد بيّنه فيما أوحى إلى أنبيائه من كتبه . فبخل بتبيينه للناس هؤلاء ، وأمروا من كانت حاَله حالَهم في معرفتهم به : أن يكتموه من جَهِل ذلك ، ولا يبيِّنوه للناس . وإنما قلنا : هذا القول أولى بتأويل الآية ، لأن الله جل ثناؤه وصفهم بأنهم يأمرون الناس بالبخل ، ولم يبلغنا عن أمة من الأمم أنها كانت تأمرُ الناس بالبخل ديانةً ولا تخلُّقًا ، بل ترى ذلك قبيحًا وتذمَّ فاعله ؛ ( 1 ) وَتمتدح - وإن هي تخلَّقَت بالبخل واستعملته في أنفسها - بالسخاء والجود ، ( 2 ) وتعدُّه من مكارم
--> ( 1 ) في المطبوعة : " ويذم فاعله " بالياء ، وهو خطأ في قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة ، واستتبع هذا الخطأ من ناشر المطبوعة أن يغير ما كان في المخطوطة ، إذا اختلطت معاني الكلام عليه ، كما سترى . ( 2 ) في المطبوعة : " ولا يمتدح . . . فالسخاء ، تعده . . . " ، لما أخطأ في قراءة الكلمة السالفة ، غير ما في المخطوطة كل التغيير زاد " لا " في " ويمتدح " ، وجعل " بالسخاء " " فالسخاء " ، وجعل " وتعده " ، " تعده " بحذف الواو = أراد أن تستقيم العبارة ففسدت فسادًا مطلقًا بلا قيد ولا شرط ! ! هذا ، وسياق الجملة : " بل ترى ذلك قبيحًا وتذم فاعله ، وتمتدح . . . بالسخاء والجود ، وتعده من مكارم الأخلاق " ، وأتى بقوله : " وإن هي تخلقت بالبخل ، واستعملته في أنفسها " ، اعتراضًا .