محمد بن جرير الطبري
210
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وقال آخرون : معنى ذلك : يريد الله أنْ يُبين لكم ويهديكم سُنن الذين من قبلكم . وقالوا : من شأن العرب التعقيبُ بين " كي " و " لام كي " و " أن " ، ووضْعُ كل واحدة منهن موضع كلِّ واحدة من أختها معَ " أردت " و " أمرت " . فيقولون : " أمرتكَ أن تذهب ، ولتذهب " ، و " أردت أن تذهب ولتذهب " ، كما قال الله جل ثناؤه : ( وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) [ سورة الأنعام : 71 ] ، وقال في موضع آخر : ( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ) [ سورة الأنعام : 14 ] ، ( 1 ) وكما قال : ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ ) [ سورة الصف : 8 ] ، ثم قال في موضع آخر ، ( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا ) [ سورة التوبة : 32 ] . واعتلوا في توجيههم " أن " مع " أمرت " و " أردت " إلى معنى " كي " ، وتوجيه " كي " مع ذلك إلى معنى " أن " ، لطلب " أردت " و " أمرت " الاستقبال ، وأنها لا يصلح معها الماضي ، ( 2 ) لا يقال : " أمرتك أن قمت " ، ولا " أردت أن قمت " . قالوا : فلما كانت " أن " قد تكون مع الماضي في غير " أردت " و " أمرت " ، وَكَّدُوا لها معنى الاستقبال بما لا يكون معه ماض من الأفعال بحال ، ( 3 ) من " كي " و " اللام " التي في معنى " كي " . قالوا : وكذلك جمعت العرب بينهن أحيانًا في الحرف الواحد ، فقال قائلهم في الجمع : ( 4 ) أَرَدْتَ لِكَيْمَا أَنْ تَطِيرَ بِقِرْبَتِي . . . فَتَتْرُكَهَا شَنًّا بِبَيْدَاءَ بَلَقْعِ ( 5 )
--> ( 1 ) في المخطوطة والمطبوعة : " وأمرت أن أكون " ، وهو سهو من الناسخ ، وأثبت نص التلاوة . ( 2 ) في المطبوعة : " وأيهما " ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وكأنها خطأ مطبعي . ( 3 ) في المطبوعة : " ذكروا لها معنى الاستقبال . . . " ، وهو كلام لا معنى له ، صوابه ما أثبته من المخطوطة ، والظاهر أن الناشر استنكر عبارة أبي جعفر فغيرها . وعبارة الفراء في معاني القرآن : " استوثقوا لمعنى الاستقبال " . ( 4 ) لا يعرف قائله . ( 5 ) معاني القرآن للفراء 1 : 262 ، الإنصاف : 242 ، الخزانة 3 : 585 ، والعيني ( هامش الخزانة ) 4 : 405 ، وغيرها ، كما قال صاحب الخزانة : " وهذا بيت قلما خلا منه كتاب نحوي " . " الشن " : الخلق البالي : و " البيداء " : المفازة المهلكة ، و " البلقع " : الأرض القفر التي لا شيء بها . يقول : إنما أردت بذلك هلاكي وضياعي في قفرة مهلكة .