محمد بن جرير الطبري

584

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وإنما عنى تعالى ذكره بقوله : " تلك حدود الله فلا تعتدوها " ، هذه الأشياء التي بينت لكم في هذه الآيات التي مضت : من نكاح المشركات الوثنيات ، وإنكاح المشركين المسلمات ، وإتيان النساء في المحيض ، وما قد بين في الآيات الماضية قبل قوله : " تلك حدود الله " ، مما أحل لعباده وحرم عليهم ، وما أمر ونهى . ثم قال لهم تعالى ذكره : هذه الأشياء - التي بينت لكم حلالها من حرامها - " حدودي " = يعني به : معالم فصول ما بين طاعتي ومعصيتي = ، فلا تعتدوها = يقول : فلا تتحاوزوا ما أحللته لكم إلى ما حرمته عليكم ، وما أمرتكم به إلى ما نهيتكم عنه ، ولا طاعتي إلى معصيتي ، ( 1 ) فإن من تعدى ذلك = يعني من تخطاه وتجاوزه = إلى ما حرمت عليه أو نهيته ، فإنه هو الظالم - وهو الذي فعل ما ليس له فعله ، ووضع الشيء في غير موضعه . وقد دللنا فيما مضى على معنى " الظلم " وأصله بشواهده الدالة على معناه ، فكرهنا إعادته في هذا الموضع . ( 2 ) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل وإن خالفت ألفاظ تأويلهم ألفاظ تأويلنا ، غير أن معنى ما قالوا في ذلك [ يؤول ] إلى معنى ما قلنا فيه . ( 3 ) * ذكر من قال ذلك : 4879 - حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : " تلك حدود الله فلا تعتدوها " يعني بالحدود : الطاعة . 4880 - حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : " تلك حدود الله فلا تعتدوها " يقول : من

--> ( 1 ) انظر معنى " الخدود " " والتعدي والعدوان " في فهرس اللغة من الأجزاء السالفة . ( 2 ) انظر ما سلف 1 : 523 - 524 / 2 : 101 - 102 ، 369 ، 519 . ( 3 ) في المطبوعة : " . . . ما قالوا في ذلك إلى معنى . . . " وأثبت الزيادة بين القوسين لأن موضعها في المخطوطة بياض فرجحت أن تكون الكلمة الناقصة هي هي ، كما أثبتها .