محمد بن جرير الطبري

551

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وقرأه آخرون من أهل المدينة والكوفة : ( إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) . فأما قارئ ذلك كذلك من أهل الكوفة ، ( 1 ) فإنه ذكر عنه أنه قرأه كذلك ( 2 ) اعتبارا منه بقراءة ابن مسعود ، وذكر أنه في قراءة ابن مسعود : ( إلا أن تخافوا ألا يقيما حدود الله ) . وقراءة ذلك كذلك ، اعتبارا بقراءة ابن مسعود التي ذكرت عنه ، خطأ وذلك أن ابن مسعود إن كان قرأه كما ذكر عنه ، فإنما أعمل الخوف في " أن " وحدها ، وذلك غير مدفوعة صحته ، كما قال الشاعر : ( 3 ) إذا مت فادفني إلى جنب كرمة . . . تروي عظامي بعد موتي عروقها ( 4 ) ولا تدفنني بالفلاة فإنني . . . أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها ( 5 ) فأما قارئه : " إلا أن يخافا " بذلك المعنى ، فقد أعمل في متروكة تسميته ، ( 6 ) وفي " أن " - فأعمله في ثلاثة أشياء : المتروك الذي هو اسم ما لم يسم فاعله ، وفي " أن " التي تنوب عن شيئين ، ( 7 ) ولا تقول العرب في كلامها : " ظنا أن يقوما " . ولكن قراءة ذلك كذلك صحيحة ، على غير الوجه الذي قرأه من ذكرنا قراءته كذلك ، اعتبارا بقراءة عبد الله الذي وصفنا ، ولكن على أن يكون مرادا به إذا

--> ( 1 ) هو الإمام الكوفي الحبر حمزة بن حبيب الزياتأحد القراء السبعة . ( 2 ) الذي ذكر هذا هو الفراء في معاني القرآن 1 : 146 ولكن عبارة الفراء تدل على أنه ظن ذلك واستخرجه لا أن حمزة قرأها كذلك يقينا غير شك . ونص الفراء : " وأما ما قال فإنه إن كان أراد اعتبار قراءة عبد الله فلم تصبه - والله أعلم " . فإن يكن الطبري أخذه عن الفراء فهذا كلام الفراء وإن اخذه من غيره فهو ثقة فيما ينقل . ( 3 ) هو أبو محجن الثقفي . ( 4 ) ديوانه : 23 ومعاني القرآن للفراء 1 : 146 والخزانة 3 : 550 وغيرها كثير وخبر أبي محجن في الخمر وحبها مشهور . ( 5 ) هذا البيت شاهد للنحاة على تخفيف " أن " لوقوعها بعد الخوف بمعنى العلم واليقين واسمها ضمير شأن محذوف ، أو ضمير متكلم وجملة " لا أذوقها " في محل رفع ، خبرها . ( 6 ) يعني أن الفعل قد عمل في نائب الفاعل وفي جملة " أن المخففة من " أن " كما سيظهر من بيان كلامه . وقد بين ذلك أيضًا الفراء في معاني القرآن 1 : 146 - 147 . ( 7 ) يعني بقوله : " أن التي تنوب عن شيئين " أنها في موضع المفعولين ، تسد مسدهما .