محمد بن جرير الطبري

356

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : وكيف قال : " فإخوانُكم " ، فرفع " الإخوان " ؟ وقال في موضع آخر : ( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا ) [ سورة البقرة : 239 ] قيل : لافتراق معنييهما . وذلك أنّ أيتام المؤمنين إخوان المؤمنين ، خالطهم المؤمنون بأموالهم أو لم يخالطوهم . فمعنى الكلام : وإن تخالطوهم فهم إخوانكم . و " الإخوان " مرفوعون بالمعنى المتروك ذكره ، وهو " هم " لدلالة الكلام عليه = وأنه لم يرد " بالإخوان " الخبر عنهم أنهم كانوا إخوانًا من أجل مخالطة وُلاتهم إياهم . ولو كان ذلك المراد ، لكانت القراءة نصبًا ، وكان معناه حينئذ : وإن تخالطوهم فخالطوا إخوانكم ، ولكنه قرئ رفعًا لما وصفت : من أنهم إخوان للمؤمنين الذين يلونهم ، خالطوهم أو لم يخالطوهم . وأما قوله : ( فرجالا أو رُكبانًا ) ، فنصبٌ ، لأنهما حالان للفعل ، غير دائمين ، ( 1 ) ولا يصلح معهما " هو " . وذلك أنك لو أظهرت " هو " معهما لاستحال الكلام . ألا ترى أنه لو قال قائل : " إن خفت من عدوك أن تصلي قائمًا فهو راجل أو راكب " ، لبطل المعنى المرادُ بالكلام ؟ وذلك أن تأويل الكلام . فإن خفتم أن تصلوا قيامًا من عدوكم ، فصلوا رجالا أو ركبانًا . ولذلك نصبه إجراءً على ما قبله من الكلام ، كما تقول في نحوه من الكلام : " إن لبست ثيابًا فالبياض " فتنصبه ، لأنك تريد : إن لبست ثيابًا فالبس البياض - ولستَ تريد الخبر عن أن جميع ما يلبس من الثياب فهو البياض . ولو أردت الخبر عن ذلك لقلت : " إن لبستَ ثيابًا فالبياضُ " رفعًا ، إذ كان مخرج الكلام على وجه الخبر منك عن اللابس ، أنّ كل ما يلبس من الثياب فبياضٌ . لأنك تريد حينئذ : إن لبست ثيابًا فهي بياضٌ . ( 2 )

--> ( 1 ) في المطبوعة " غير ذاتيين " : ، وهو تصحيف فاحش لا معنى له ، والصواب ما أثبت والحال غير الدائمة ، هي الحال المشتقة المنتقلة ، والدائم هو الجامد والثابت . ( 2 ) انظر تفصيل ذلك في معاني القرآن للفراء أيضًا 1 : 141 - 142 .