محمد بن جرير الطبري
281
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله تعالى : { وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : " وما اختلف فيه " ، وما اختلف في الكتاب الذي أنزله وهو التوراة = " إلا الذين أوتوه " ، يعني ، بذلك اليهودَ من بني إسرائيل ، وهم الذين أوتوا التوراة والعلم بها = و " الهاء " في قوله : " أوتوه " عائدة على " الكتاب " الذي أنزله الله = " من بعد ما جاءتهم البينات " ، يعني بذلك : من بعد ما جاءتهم حجج الله وأدلته أنّ الكتابَ الذي اختلفوا فيه وفي أحكامه عند الله ، وأنه الحق الذي لا يسعهم الاختلاف فيه ، ولا العمل بخلاف ما فيه . فأخبر عز ذكره عن اليهود من بني إسرائيل أنهم خالفوا الكتابَ التوراةَ ، واختلفوا فيه على علم منهم ، ما يأتون متعمِّدين الخلاف على الله فيما خالفوه فيه من أمره وحكم كتابه . ثم أخبر جل ذكره أن تعمُّدهم الخطيئة التي أتوها ، ( 1 ) وركوبهم المعصية التي ركبوها من خلافهم أمرَه ، إنما كان منهم بغيًا بينهم . * * * و " البغي " مصدر من قول القائل : " بغى فلانٌ على فلان بغيًا " ، إذا طغى واعتدى عليه فجاوز حدّه ، ومن ذلك قيل للجرح إذا أمدّ ، وللبحر إذا كثر ماؤه ففاض ، وللسحاب إذا وقع بأرض فأخصبت : " بَغَى " كل ذلك بمعنى واحد ، وهي زيادته وتجاوز حده . ( 2 ) * * * فمعنى قوله جل ثناؤه : " وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم " ، من ذلك . يقول : لم يكن اختلاف هؤلاء المختلفين من اليهود من بني إسرائيل في كتابي الذي أنزلته مع نبييِّ عن جهل منهم به ، بل كان
--> ( 1 ) في المطبوعة : " تعمدهم الخطيئة التي أنزلها " ، وهو تصحيف وكلام بلا معنى . ( 2 ) انظر معنى " البغي " فيما سلف 1 : 342 .