محمد بن جرير الطبري
282
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
اختلافهم فيه ، وخلافُ حكمه ، من بعد ما ثبتت حجته عليهم ، بغيًا بينهم ، طلبَ الرياسة من بعضهم على بعض ، واستذلالا من بعضم لبعض . كما : - 4058 - حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال : ثم رجع إلى بني إسرائيل في قوله : " وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه " يقول : إلا الذين أوتوا الكتابَ والعلم = " من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم " ، يقول : بغيًا على الدنيا وطلبَ ملكها وزخرفها وزينتها ، أيُّهم يكون له الملك والمهابة في الناس ، فبغى بعضُهم على بعض ، وضرب بعضُهم رقاب بعض . * * * قال أبو جعفر : ثم اختلف أهل العربية في " مِنْ " التي في قوله : " من بعد ما جاءتهم البينات " ما حكمها ومعناها ؟ وما المعنى المنتسق في قوله : " وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم " ؟ فقال بعضهم : " من " ، ذلك للذين أوتوا الكتاب ، وما بعده صلة له . غيرَ أنه زعم أن معنى الكلام : وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه ، بغيًا بينهم ، من بعد ما جاءتهم البينات . وقد أنكر ذلك بعضهم فقال : لا معنى لما قال هذا القائل ، ولا لتقديم " البغي " قبل " من " ، لأن " من " إذا كان الجالب لها " البغي " ، فخطأ أن تتقدمه لأن " البغي " مصدر ، ولا تتقدم صلة المصدر عليه . وزعم المنكر ذلك أن " الذين " مستثنى ، وأنّ " من بعد ما جاءتهم البينات " مستثنى باستثناء آخر ، وأن تأويل الكلام : وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه ، ما اختلفوا فيه إلا بغيًا ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءتهم البينات = فكأنه كرر الكلام توكيدًا . * * * قال أبو جعفر : وهذا القول الثاني أشبه بتأويل الآية ، لأن القوم لم يختلفوا إلا من بعد قيام الحجة عليهم ومجئ البينات من عند الله ، وكذلك لم يختلفوا إلا بغيًا ، فذلك أشبه بتأويل الآية . * * *