محمد بن جرير الطبري

280

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

الجهل بوقت ذلك ، كما لا ينفعُنَا العلمُ به ، إذا لم يكن العلم به لله طاعةً ، ( 1 ) غير أنه أي ذلك كان ، فإن دليلَ القرآن واضحٌ على أن الذين أخبر الله عنهم أنهم كانوا أمة واحدة ، إنما كانوا أمة واحدة على الإيمان ودين الحق دون الكفر بالله والشرك به . وذلك إن الله جل وعز قال في السورة التي يذكر فيها " يونس " : ( وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) [ يونس : 19 ] . فتوعَّد جل ذكره على الاختلاف لا على الاجتماع ، ولا على كونهم أمة واحدة ، ولو كان اجتماعُهم قبل الاختلاف كان على الكفر ثم كان الاختلاف بعد ذلك ، لم يكن إلا بانتقال بعضهم إلى الإيمان ، ولو كان ذلك كذلك لكان الوعد أولى بحكمته جل ثناؤه في ذلك الحال من الوعيد لأنها حال إنابة بعضهم إلى طاعته ، ومحالٌ أن يتوعد في حال التوبة والإنابة ، ويترك ذلك في حال اجتماع الجميع على الكفر والشرك . * * * قال أبو جعفر : وأما قوله : " فبعثَ الله النبيين مبشرين ومنذرين " ، فإنه يعني أنه أرسل رسلا يبشرون من أطاع الله بجزيل الثواب ، وكريم المآب = ويعني بقوله : " ومنذرين " ، ينذرون من عصى الله فكفر به ، بشدّة العقاب ، وسوء الحساب والخلود في النار = " وأنزل معهم الكتابَ بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه " ، يعني بذلك : ليحكم الكتاب - وهو التوراة - بين الناس فيما اختلف المختلفون فيه . فأضاف جل ثناؤه " الحكم " إلى " الكتاب " ، وأنه الذي يحكم بين الناس دون النبيين والمرسلين ، إذْ كان مَنْ حَكم من النبيين والمرسلين بحُكم ، إنما يحكم بما دلَّهم عليه الكتاب الذي أنزل الله عز وجل ، فكان الكتاب بدلالته على ما دلَّ وصفه على صحته من الحكم ، حاكمًا بين الناس ، وإن كان الذي يفصل القضاء بينهم غيرُه . * * *

--> ( 1 ) هذه حجة رجل تقي ورع عاقل . بصير بمواضع الزلل في العقول وبمواطن الجرأة على الحق من أهل الجرأة الذين يتهجمون على العلم بغيًا بالعلم . ولو عقل الناس لأمسكوا فضل ألسنتهم ولكنهم قلما يفعلون .