محمد بن جرير الطبري
267
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
حتى يبعث الله إليَّ ملَكًا ، فيأخذ بعضديّ فيرفعني ، ثم يقول الله لي : يا محمد ! فأقول : نعم ! وهو أعلم . فيقول : ما شأنك ؟ فأقول : يا رب وعدتني الشفاعة ، فشفِّعني في خلقك ، فاقض بينهم . فيقول : قد شفَّعتك ، أنا آتيكم فأقضي بينكم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فأنصرف حتى أقف مع الناس ، فبينا نحن وقوفٌ سمعنا حِسًّا من السماء شديدًا ، فهالنا ، فنزل أهل السماء الدنيا بمثلَيْ من في الأرض من الجن والإنس ، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقَت الأرضُ بنورهم ، وأخذوا مَصافَّهم ، فقلنا لهم : أفيكم ربُّنا ؟ قالوا : لا ! وهو آتٍ . ثم نزل أهل السماء الثانية بمثْليْ من نزل من الملائكة ، وبمثلي من فيها من الجنّ والإنس ، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم ، وأخذوا مصافهم ، فقلنا لهم : أفيكم ربنا ؟ قالوا : لا ! وهو آتٍ . ثم نزل أهل السماء الثالثة بمثلي من نزل من الملائكة ، وبمثلي من في الأرض من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم ، وأخذوا مَصافَّهم ، فقلنا لهم : أفيكم ربنا ؟ قالوا : لا ! وهو آتٍ ، ثم نزل أهلُ السماوات على عدد ذلك من التضعيف ، حتى نزل الجبار في ظُلل من الغمام والملائكة ، ولهم زجَلٌ من تسبيحهم يقولون : " سبحان ذي الملك والملكوت ! سبحان ربّ العرش ذي الجبروت ! سبحان الحي الذي لا يموت ! سبحان الذي يُميت الخلائق ولا يموت ! سبوح قدوس ، رب الملائكة والروح ! قدّوس قدّوس ! سبحان ربنا الأعلى ! سبحان ذي السلطان والعظمة ! سبحانه أبدًا أبدًا " ! فينزل تبارك وتعالى ، يحملُ عرشه يومئذ ثمانية ، وهم اليوم أربعا ، أقدامهم على تُخوم الأرض السفلى والسماوات إلى حُجَزهم ، والعرشُ على مناكبهم . فوضع الله عز وجل عرشه حيث شاء من الأرض ، ثم ينادي مناد نداءً يُسمع الخلائق ، فيقول : يا معشر الجن والإنس إني قد أنصتُّ منذ يوم خلقتكم إلى يومكم هذا ، أسمع كلامكم ، وأبصر أعمالكم ، فأنصتوا إلىّ ، فإنما هو صُحُفكم وأعمالكم تقرأ عليكم ، فمن وجد خيرًا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه ! فيقضي الله عز وجل بين خلقه الجن والإنس والبهائم ،